موفق ملكاوي

أنموذج من مصر

تم نشره في الجمعة 2 شباط / فبراير 2018. 12:08 صباحاً

قليلون كانوا يعبرون المكان وهم يتلفتون بدون هدى. كثيرون هم من حثوا الخطى كأنما لا يدركون أنهم يسيرون. ثمة حكمة غير ضائعة في كل هذا السيل الهادر من البشر!
ها هنا المصريون. أو، كما اعتدنا أن نسميهم دائما: "مصاروة". يتفقون على حب محمد صلاح، ويختلفون على كل ما عدا ذلك. يتفقون على إطفاء الأغاني وقت الأذان، حتى في البارات، ويختلفون على من يمكن أن يمثلهم أمام الله.
هؤلاء هم المصريون. طينة أخرى من البشر؛ جادون في عملهم حد الموت إرهاقا، بينما يغرقون في الترفيه والغناء والصخب حتى قبيل الخيوط الأولى من الفجر.
سنوات طويلة غبت فيها عن مصر، وحين زرتها هذه المرة شعرت أنني أزورها للمرة الأولى. أشياء كثيرة تغيرت، أو كما اعتدنا أن نقول "مياه كثيرة جرت في الأسفل"، لكن الروح المصرية الأصيلة لم تتغير بعد. الصعوبات الاقتصادية التي جرتها ثورتان مباغتتان، والغلاء الفاحش الذي طحن أسرا كثيرة، والعشوائيات التي توسعت حتى باتت فوق طاقة الدولة في احتوائها، كل ذلك لم يقتل الروح في النفوس التي تتوق إلى أن تعيش الحياة إذا ما استطاعت إلى ذلك سبيلا.
ثمة ثقافة لا يمكن أن تنوجد سوى في الشعوب التي امتلكت تاريخا ممتدا، وتجربة حياتية وإنسانية. رأيت طالبة في الثانوية العامة تخصص علمي، تفترش الرصيف لتبيع المناديل الورقية.. وفي الوقت نفسه تدرس مادة الفيزياء.
التقيت بشابة أنيقة، تدرس علم الاجتماع في الإسكندرية، وحين لا تكون ملتزمة بمحاضرات، تسوق دراجتها النارية لتوصيل الطلبات، وهو العمل الذي يسهم في تغطية نفقات دراساتها ومصاريفها من أجل أن لا تضطر إلى تحميل أسرتها مصاريف لا يمكن لها تحملها.
شاب يحمل درجة الماجستير في المحاسبة، لكن ذلك لا يمنعه من أن يعمل موظفا في إحدى شركات نقل السياح في الإسكندرية، لأنه، كما يقول: "لا يملك رفاهية انتظار الوظيفة العامة"، وأيضا لأنه يحمل طموحا كبيرا في إكمال دراسته وصولا إلى نيل درجة الدكتوراة، وهذا العمل يساعده في تحقيق حلمه، كما أنه لا يتحرج من مزاولته!
هؤلاء لا يهزمون. فهم يعلمون أن الظروف تجبرهم على اختبار صعوبات الحياة في سن مبكرة، غير أنهم مدركون تماما أن وجودهم في الحياة لا يمكن أن يكون عشوائيا، بل إن لهم دورا ينبغي أن يلعبوه في هذه الهرمية المعقدة.
نماذج كثيرة جدا تلك التي التقيت بها خلال أيامي القليلة التي قضيتها في مدينتي الإسكندرية والقاهرة، جميعها جلبت الفرح إلى قلبي، ولكن المهم، هو أن جميعها ذكرتني بالمبدأ الذي طرحه الأردن للخروج من أزمته الاقتصادية الخانقة، وهو مبدأ "الاعتماد على الذات".
لنعترف ابتداء أن هناك قصورا كبيرا في فهم الحكومة لأساس هذا المبدأ، وهي أنها ترى فيه تقصدا مباشرا لجيب المواطن، من دون أن تعمد إلى اجتهادات جديدة تفتح فيها سبلا أخرى أمامه. ولكن لنعترف، أيضا، أن القصور لا يكمن في خانة الحكومة فحسب، بل يتعداه إلى جهة المواطن أيضا الذي ينتظر أن تحقق له الدولة معجزاته الخاصة وأحلامه.
صحيح أن الثقافة المجتمعية في الأردن حققت انزياحات معقولة خلال العقدين الأخيرين، ولكنها حتى اليوم لم تشكل حالة في تعاطي المجتمع مع الأزمات المعقدة، واعتماد الممكنات للوصول إلى الأهداف. حتى اليوم لم تشكل حالة براغماتية في هذا السياق.
المصريون لم يحققوا الاعتماد على الذات بعد، ولكن الثقافة السائدة هنا تقول إنهم يحاولون كل شيء من أجل تحقيقه. فهل نتعلم منهم كيفية الإصرار على الحياة!

التعليق