الأردنيون وزجاجة الحكومة

تم نشره في الجمعة 16 شباط / فبراير 2018. 12:06 صباحاً

خلال إطلالة رئيس الوزراء عبر شاشة التلفزيون الاردني تحدث عن كثير من القضايا التي انتظر الناس سماع رأيه حولها، فتحدث عن الاسعار والاجراءات والاوضاع العامة وحالته الصحية وغيرها، لكن الذي توقف عنده الشارع واستحوذ على اهتمامهم وكان بيت القصيد كما يقولون تمثل في تصريحه بأن الاردن "سيخرج من عنق الزجاجة عام 2018".
 غالبية الاردنيين يدركون بعقولهم وحسهم الغريزي ان الوضع الاقتصادي للبلاد غاية في الصعوبة والتعقيد. والكثير منهم سئم من تكرار حالة الانتظار والترقب التي تنتاب الحكومات الاردنية وهي تنتظر قرارات حول ما اذا كانت بعض الدول ستدعمهم أم لا.
 الجميع في الاردن ساسة ومواطنين يرون ان لا مناص من اجراء اصلاحات جوهرية على مالية الدولة بحيث يتم الاعتماد على الموارد الذاتية بالتزامن مع تقليص المنح والقروض والمساعدات التي تتلقاها البلاد من الاشقاء والاصدقاء. لكن الاختلاف الحاصل بين شرائح المجتمع وقواه المتنوعة اليوم لا يدور حول ما إذا كان الاصلاح ضروريا ام لا بمقدار ما هو حول مدى ملائمة منهج رفع الاسعار واعادة هيكلة التشريعات الضريبية لحل مشكلاتنا المالية.
حزمة الاجراءات التي صاغتها الحكومة ومررها النواب توفر بعض الايرادات التي تحتاج لها الموازنة لكنها لا ولن تحل مشاكلنا الاقتصادية المزمنة. فبالرغم من حماس الحكومة لها الا انها كانت السبب في اثارة الكثير من التساؤلات لدى مختلف الشرائح الاجتماعية حول جدوى هذه الاجراءات وعدالتها، وفتحت شهية البعض لتنظيم الاحتجاجات والاعتصامات التي تطالب برحيل النواب والحكومة.
 الصناعيون والمزارعون والتجار ومختلف القطاعات الاقتصادية تعاني من تراجع النمو لاسباب يعود بعضها الى اغلاق حدود الاقطار المجاورة وتدني قدرة الافراد على الاستهلاك وانحسار النمو لبعض الانشطة الاقتصادية. الاوضاع بجملها اصبحت تلقي بظلالها على فرص الاستثمار وجاذبية البيئة وحجم الاموال التي يمكن ان يستخدمها الافراد في التشغيل والاستثمار والانفاق.
امام هذا الواقع يبدو الاردن الرسمي اكثر اطمئنانا بعد تنفيذ حزمة الاجراءات؛ فالبلاد نجحت وللمرة الاولى بترتيب اوضاعها المالية بعيدا عن معادلة المنح والمساعدات. والحليف الاميركي جدد التزامه بدعم البلاد لخمسة اعوام قادمة. والكثير من القوى المحلية تدعم فكرة الاعتماد على الذات وتبدي استعدادا اكبر للتجاوب مع اي اجراءات اذا ما تبنت الدولة سياسة اكثر عدلا وصرامة وشفافية في الاستجابة لحالات وشبهات الفساد التي شغلت الراي العام خلال الاعوام الماضية.
 الاجراءات المالية الاخيرة تحمل في طياتها شيئا من الامل في بناء روح معنوية جديدة وثقة بقدرة البلاد على ادارة شؤونها المالية دون الالتفات الى ما يمكن ان يقدمه الاشقاء من دعم ومساعدة مشروطة او غير مشروطة. اضافة الى اهمية كل ذلك في تدعيم استقلالية القرار الاردني وتحرره من الضغوط التي قد تكون المساعدات وسيلة ومبررا لها.
المواطن الاردني الذي عاش لعقود وهو يحلم باقتصاد وطني قوي وفرص عمل واستثمار تتناسب مع قدراته وطموحاته يتطلع اليوم الى خطة شمولية واضحة الاهداف والوسائل وتحمل مؤشرات كمية وكيفية للانجاز في اطر زمنية محددة.
لم يعد الناس يثقون بالعبارات والتعميمات والوعود التي يجري تجديدها عاما بعد عام بان القادم سيكون افضل. الناخبون والنواب والحكومات وسائر الشرائح والقطاعات يتطلعون الى الخروج من حالة التخمين والضرب بالرمال الى حالة جديدة تتضح فيها الاهداف وتبنى فيها البرامج وتتضح فيها الادوار ويخضع فيها الجميع للمساءلة.
لقد تأخر الاردن كثيرا في التصدي لازماته ومشكلاته لكن الحلول التي تقدمها الحكومات ليست مثالية ولا مدروسة؛ فالازدهار الاقتصادي لا يتحقق بالمزيد من الرسوم والضرائب والنموذج الياباني والكوري والماليزي والسنغافوري التي نستشهد بها لم تبنَ نجاحاتها على الضرائب والرسوم ورفع الاسعار. وانما على توفير البيئة الاستثمارية وتحسين شروط العمل وتعزيز ثقافة الانجاز وتمكين الافراد من تذوق طعم النجاح.
الخروج من عنق الزجاجة او الانزلاق الى قاعها يعتمد بدرجة كبيرة على قدرة الحكومة على تبني نظرية شاملة للاصلاح الاقتصادي الاجتماعي الثقافي يجري ترجمتها الى برامج وخطط تحفز النمو وتكافخ البطالة وتستثمر الموارد وتكافح الفساد وتفتح الاسواق للسلع والخدمات الاردنية وتتكامل من خلالها الادوار الشعبية والرسمية والاهلية.

التعليق