د.أحمد جميل عزم

بطيخ وبقرات وإنزال العلم عن "بيسان"

تم نشره في الجمعة 16 شباط / فبراير 2018. 12:05 صباحاً

حاول الإسرائيليون هذا الأسبوع ضرب مقولة التنمية تحت الاحتلال، وبشكل أدق حاولوا ضرب مقولة التنمية في مواجهة الاحتلال.
وأنت تدخل بيت ساحور، في الطريق إلى بيت لحم، جنوب الضفة الغربية تشعر بالبساطة والمحبة، وإذا كنت تعرف التاريخ الفلسطيني المعاصر لا بد وأن تتذكر أسطورة العصيان المدني والشعبي، إبان الانتفاضة الأولى، نهاية الثمانينيات، وحرق الهويات، ورفض دفع الضرائب، وأمور أخرى من بينها قصة البقرات ال18.
وأنا أدخل عنبتا للمرة الأولى في حياتي، وهي على طريق طولكرم شمال فلسطين، تذكرتُ إرث البلدة السياسي الكثيف، إرث الأحزاب هناك، والسياسيين، الذين يختلفون نسبياً في الإطار العام عن سياسيي بيت ساحور، فهنا الإيمان أكبر بالسياسة الرسمية والحكومية والحزبية، منذ الخمسينيات وحتى اليوم. ويومها كنت مدعواً للغداء لقرية صيدا القريبة، في طولكرم، حيث دعاني صديقٌ برِفقة أصدقاء آخرين بمناسبة افتتاح مختبر طبي حديث جداً يؤدي في جزء من رسالته اعتماد الفلسطينيين المستقل على ذواتهم دون احتلال أو مساعدات أجنبية. لم يكن افتتاحه في صيدا بل في مدن فلسطينية رئيسية أخرى، والمدعوون هم شركاء من فلسطين وخارجها، آمنوا بالعودة الفلسطينية إما بذاتهم وقد تركوا أهم جامعات ومستشفيات العالم، أو على الأقل، خصصوا جزءا من وقتهم ومالهم وخبراتهم للعودة باستثمارهم لفلسطين بجانب نشاطهم العالمي. ولما كان وقت ذهابي مبكراً جداً عن موعد الغداء، متعمدا البطء في صباح يوم جمعة لأرى ما يجود به الطريق جيداً، أفطرتُ في عنبتا فطائر الزعتر الأخضر الشهيرة في شمال فلسطين. وضعت يدي في جيبي وأخرجتُ السعر المتوقع عليه في رام الله، لأُفاجأ أن السعر هنا أقل من النصف. توقفتُ وصورتُ شجرة بالغة الجمال، غريبة الألوان، في طولكرم، وذات مساء عندما نشرتها على الفيسبوك، جاءني تعليق لا ينسى. صديقي اللاجئ العراقي في نيوزلندا، بروفيسور العلوم السياسية، يخبرني "الله.. ذكّرتني بيومٍ في الستينيات عندما جئنا نزهة لفلسطين وذهبنا إلى منتزه طولكرم، وأكلنا البطيخ هناك".
من تفاصيل تلك الزيارة التي لن أنساها الشارع السيئ جداً في الطريق، من نابلس لطولكرم (أصلح لاحقاً)، ليخبرني مضيفونا أنّ الشارع دمره الاحتلال بعد انتفاضة الأقصى، وكجزء من العقوبة الجماعية.
لا يرتدع ابن عنبتا مالك ملحم، المقيم في الشتات الممنوع من زيارة وطنه، إلا بطرق وتصاريح معقدة بين حين وآخر، وهو يصر على الوطن الفلسطيني، بطريقة أهالي عنبتا، طريقة السياسة الثقيلة، والاقتصاد الثقيل في تكامل واحترام وتناغم مع استراتيجية المقاومة الشعبية. لا تردعه المماحكات والتنغيص من قبل فلسطينيين آخرين، هم يحاولون ثنيه مثلا عن تبني فرقة العاشقين الأسطورية، وإعادتها للغناء الثوري إلى شوارع وأزقة فلسطين ومخيماتها، ومسارح العالم، أو وهم يسألونه هل حقاً ستنقل هذا الجزء الكبير من استثماراتك إلى فلسطين؟ وهو يخبرهم سأثبت لكم كم هي فلسطين معطاءة، وكم أنتم مقصرون في خدمتها والاستفادة منها.
الاستثمار شمالا وجنوباً، مصنع حجر، ومصنع رخام، سلسة متاجر ومطاعم عالمية تجعل جاذبية السفر لها عند الاحتلال أو حتى خارج فلسطين أقل، ثم مصنع مكيفات يحمل اسم بيسان في عنبتا، وفي الطريق مصنع ملابس ومؤسسة أكاديمية، ومنشآت أخرى. وحتى أكثر المحبين له ينظرون ويسألون مثلا هل يمكن حقاً إقامة صناعة وطنية، مثل المكيفات، لتنافس الماركات العالمية والإسرائيلية، وتمضي الأشهر ويطرح المكيف للبيع ويحقق حضوراً طيباً في السوق.
في الثمانينيات أتى الإسرائيليون وبحثوا دون هوادة في حملات وثقها بطريقة فنية وساخرة ابن بيت ساحور، العائد من الخارج عامر الشوملي، وهذا الأسبوع، عند فجر الأحد الفائت، جاء الجنود واقتحموا مصنع بيسان، كسروا أبواب غرفة خوادم (سيرفرات) الكمبيوتر، التي يتعطل بدونها الانتاج والعمل، قطعوا الأسلاك وسرقوا الأجهزة، والرسالة الأهم ربما، وهم يخرجون، صعدوا سطح المصنع وأنزلوا العلم الفلسطيني.     
بقرات بيت ساحور أقرب للمقاومة الاشتراكية الشعبية، التي تريد الوقوف بوجه الصناعة الاحتلالية. ومصنع عنبتا أقرب للرأسمالية الوطنية التي تريد مواجهة الصناعة الاحتلالية وتأمين فرص عمل واقتصاد مستقلين عن الاحتلال والمساعدات الأجنبية، وفي الحالتين يرد الاحتلال بذات الطريقة، تماماً كما يضرب زراعة وتصدير البطيخ، وكما يواصل القضاء على السياحة.
 وسيرد الفلسطينيون.   

التعليق