هكذا يُزوّر الإسلام ويحرف علناً

تم نشره في الجمعة 23 شباط / فبراير 2018. 12:10 صباحاً

أسامة شحادة

 كنتُ أجدُ في كتب الحديث تحذير العلماء والمحدثين عن كذب بعض الباعة على النبي صلى الله عليه وسلم لترويج بضائعهم، ومعلومٌ أن الكذب عليه صلى الله عليه وسلم من أكبر الكبائر بإجماع المسلمين لقوله صلى الله عليه وسلم: "من كذب عليّ متعمداً فليتبوأ مقعده من النار" متفق عليه، ومن أمثلة الكذب قديماً كذب بعضهم بقولهم: "المؤمنون حلويّون"، "قُدِّس العدس على لسان سبعين نبياً"، "كُلوا الباذنجان وأكثروا منها فإنها أول شجرة آمنت بالله عز وجل"، وهذه كلها أحاديث موضوعة، أي مختلقة ومكذوبة ومصنوعة ولم يقلها رسول الله صلى الله عليه وسلم.
كنت أظن أن زمن رواج هذه الأحاديث الموضوعة والمختلقة قد ولّى زمانها في زمن العم (جوجل)! ولكن للأسف خاب ظني، فقلما يمضي يوم ولا تصل رسالة على شبكات التواصل الاجتماعي وهي تحمل أكاذيب وموضوعات مثل تلك الأكاذيب والموضوعات القديمة، ومن آخر الأمثلة على ذلك مقطع لِرجل يمني يلبس العمة ويدّعي أنه من العلماء أو الدعاة وطلبة العلم مع مجموعة من المسلمين غير العرب لعلهم من الشيشان أو ما حولها يجلسون على مائدة طعام ويحدّثهم، والأصح أنه يكذب أو يروى الأكاذيب والموضوعات بثقة وانشراح صدر!
يكذب ويروي لهم ثلاثة أحاديث يزعم أن شيخ شيخ شيخ شيخه كان يجتمع مع رسول الله يقظةً وأنه أخذها عنه مباشرة!! وهذه خرافة متكررة عند أدعياء التصوف، أنهم يتصلون بالنبي صلى الله عليه وسلم بعد موته ويأخذون عنه أشياء من الدين لم ترد في القرآن الكريم ولا السنة النبوية، بل أخذوها مباشرة!! وهذا يناقض قوله تعالى: "اليوم أكملتُ لكم دينَكم وأتممتُ عليكم نعمتي ورضيتُ لكم الإسلام دينا" (المائدة: 3)، وهذا المنهج المنحرف يضرب بعرض الحائط جهود علماء المسلمين عبر التاريخ الذين بذلوا أرواحهم وأعمارهم في سبيل حفظ الدين وصيانته من الكذب والتزوير والتحريف.
لكن الشيطان أوحى للدجالين بالقفز عن القرآن الكريم والسنة النبوية بادّعاء الاجتماع بالنبي صلى الله عليه وسلم يقظة أو عبر المنامات والأحلام واختراع حكايات تخالف الدين نفسه والواقع والعقل السليم، فيضيع الدين وتروج الخرافات وينتشر الشرك والبدعة!
أول هذه الكذبات كانت عن فضل القهوة، نعم القهوة، ويرفع كأس القهوة للتأكيد فيزعم لهم "أن من يشرب القهوة تستغفر له الملائكة حتى تزول رائحة القهوة من فمه"! طبعاً هذا الحديث لن تجده في كتب الحديث بل هو مختلق موضوع، والسبب في ذلك أن القهوة لم تكن معروفة أصلاً في زمن النبي صلى الله عليه وسلم، فهي لم تعرف إلا قبل القرن العاشر الهجري بقليل، أي قبيل سنة 900 للهجرة، ولما اكتشفت القهوة اختلف الفقهاء في حكمها فكثير منهم في البداية حرّمها واعتبرها من المفترات والمسكرات، فكيف يكون النبي صلى الله عليه وسلم قد بيّن فضلها أو ذكرَها، وما الذي سيمنع دجالا آخر في المستقبل أن يزعم أن النبي صلى الله عليه وسلم نصح بماركة محددة لمنتج معين في اجتماع يقظة!
والكذبة الثانية عن فضل المسبحة، حيث زعم أن "من اتخذ مسبحة -ولو لم يسبّح بها- تستغفر له الملائكة"، وهذا أيضاً من الكذب الصريح فلم يكن النبي صلى الله عليه وسلم وأصحابه يعرفون المسبحة أصلاً!!
بل إن علماء اللغة العربية يُجمعون على أن كلمة (سُبحة) لا تعرفها اللغة العربية، وأنها كلمة مولدة حادثة فيما بعد، قال ابن منظور في معجمه "لسان العرب" (س ب ح): "والسبحة: الخرزات التي يعد المسبح بها تسبيحه، وهي كلمة مولدة"!!
والكذبة الثالثة "أن تقف أمام ولي حي أو ميت خير من أن تتقطع في العبادة إرباً إرباً"، وهذا الكلام يخالف لبّ دعوة النبي صلى الله عليه وسلم الذي جاء بتعظيم الله وتوحيده ومحاربة الشرك وتقديس البشر الأحياء والأموات، فهل هناك ولي لله عز وجل أعظم من النبي صلى الله عليه وسلم؟ بالطبع لا، لكنه لم يأمر أو يعلّم أصحابه الوقوف أمامه! ولا فعل هذا الصحابةُ وأمهات المؤمنين رضي الله عنهم بعد موته! ولا فعل ذلك التابعون ولا الأئمة الأربعة ولا غيرهم من العلماء، لا مع النبي صلى الله عليه وسلم ولا مع أصحابه ولا مع أئمة التابعين، لأن هذا الفعل هو بوابة الوثنية وعبادة البشر، والأصل في الإسلام عبادة الله عز وجل، لكن هؤلاء قلَبوا الإسلام فهوّنوا من شأن الوقوف بين يدي الله عز وجل بالصلاة والطواف وقراءة القرآن والزكاة والجهاد بالوقوف السلبي أمام بشر ولو كان ولياً!!
ثم ختم كذبه بزعمه أن علماءه يقولون إن من انتهى كلامه فأذّن المؤذن فكلامه صدق وحق! وهذا وحده يكشف عن ضلال هذا المنهج، فالصواب والخطأ يعرف من موافقة الكلام للأدلة الشرعية والواقع الصحيح والعقل السديد، أما موافقة الكلام للأذان فغالباً كذبة كذبها في التو واللحظة، وإلا فكم من باطل قيل ويقال وافق انتهاء الأذان.
فانظر كيف أنهم -لتمرير أهوائهم- يكذبون على النبي صلى الله عليه وسلم بزعم أنه مدحها وهي ليست في عصره ولا تعرفها اللغة العربية آنذاك وتناقض رسالته بالدعوة للتوحيد والإخلاص لله عز وجل، فلجأوا لحيلة الكذب باجتماعهم يقظة به صلى الله عليه وسلم بعد موته بألف عام وأكثر لتمرير باطلهم!!
والعجيب أن هؤلاء القوم يعظّمون الأئمة الأربعة أبي حنيفة ومالك والشافعي وأحمد، ولم يعرف عن هؤلاء الأئمة المتبوعين والأجلاّء المقتدى بهم أنهم زعموا الاجتماع بالنبي صلى الله عليه وسلم يقظةً أو مناماً ولا أخرجوا للناس خرافات تناقض القرآن والسنة والواقع والمنطق والعقل السليم.
الأعجب من هذا كله أن هذه الأهواء القديمة والمتجددة تلقى دعماً عالمياً لنشر مثل هذا التدين المغشوش الذي يقبل الخرافات اللذيذة بدلاً من البحث عن التدين الحق بالعلم بجد واجتهاد.

التعليق