المحاولة مرة أخرى

تم نشره في الثلاثاء 27 شباط / فبراير 2018. 12:08 صباحاً

ما من شك ان التغيير حاجة وضرورة، فهو حقيقة ثابتة ووسيلة ملائمة للتكيف مع المستجدات واستراتيجية فاعلة لتجنب للجمود والتحجر. المشكلة في التغيير عندما لا يكون هادفا وملائما للتحولات أو عندما لا يكون مدروسا وملما بالوقائع على الارض أو عندما يجري بدوافع الرغبة والمزاج وخلق الانطباع أكثر من الاستجابة لتحديات ومشكلات وارتباطه بغايات وأهداف تدركها المؤسسة وتوجه التغيير لمعالجتها.
التغيرات التي لا ترتبط بالبرامج والاهداف والمؤشرات تغيرات شكلية ديكورية تفضي الى نفس النتيجة. البعض منا يعتقد ان تغيير الاشخاص قد يؤدي الى نتائج مبهرة ويحل جميع المشكلات القائمة والقادمة. لقد اثبتت التجارب ان لا تغيير حقيقيا في الواقع ما لم تكن هناك رؤية واضحة واهداف محددة وبرنامج عمل يسعى الى تحقيق هذه الاهداف في اطار زمني ومع وجود مؤشرات كمية وكيفية تدلل على مستوى النجاح في تحقيق الاهداف.
 الحكم على كفاءة الوزراء لا يتم من خلال قربهم او بعدهم من الرئيس او من خلال التصريحات التي يدلون بها للإعلام بل من خلال مستوى التقدم في تحقيق الاهداف التي تحملها الحكومة وضمن مؤشرات الاداء التي تحرر الجميع من المزاجية والشخصنة والشللية.
اليوم وفي الوقت الذي تتململ فيه بعض القطاعات الاقتصادية ويتحرك الشارع في بعض المدن والقرى الاردنية مطالبا برحيل الحكومة والنواب معا تجري الحكومة التعديل السادس على تركيبتها. هذا التعديل الذي يجري في ظروف اقتصادية وسياسية وداخلية معقدة يثير لدى الشارع الاردني العديد من الاستفسارات.
بعض هذه الاستفسارات يتعلق بالغرض من التعديل خصوصا بعد نجاح الفريق في تجاوز التهديد الجدي الذي اظهره النواب بالتصويت على استمرار الحكومة. التساؤلات الاخرى تتعلق بماهية التعديلات التي جرت على خطط وبرامج عمل الحكومة واستدعت اجراء هذا التعديل. في حقيقة الامر يصعب على اي مراقب ان يجد اسبابا ومبررات للتعديل الاخير غير تلك التي عبر عنها الرئيس بتحقيق مزيد من الانسجام بين الطاقم الوزاري.
 لا احد يقلل من كفاءة السادة الوزراء الخارجين والقادمين لكن المدهش في الأمر ان الشارع السياسي الاردني ما يزال تحت انطباع أن اثنين من الوزراء الذين غادروا صفوف الحكومة لعبوا دورا محوريا في ضمان اجتياز الحكومة لامتحان طرح الثقة.
في العمل العام ينبغي ان تكون مساحة التجريب أضيق وان تكون الخيارات مدروسة واسلوب العمل اكثر وضوحا وشفافية، فمن غير المعقول ان نسمع من نائب سابق لرئيس الوزراء "بأنني لا اعرف لماذا تم اختياري ولماذا تم استبعادي" ومن الصعب أن يقتنع الناس بأن الايام القادمة ستكون اجمل وهم لا يعرفون الاهداف التي ستتحقق وبأي مؤشرات.
في الحديث الأخير للرئيس عبر التلفزيون الاردني قال إن الحكومة نجحت في وقف نمو المديونية والحد من العجز. ما لم يقله الرئيس بأي كلفة تم تحقيق هذا الهدف ومن الذي تحملها. سياسة رفع الضرائب والاسعار تحمل آثارا اقتصادية واجتماعية وأمنية ليس أقلها الانكماش وضعف دوران الدينار في الاقتصاد وارتفاع معدلات الجريمة وتنامي الغضب الشعبي.
صحيح اننا نعيش في بيئة جيوسياسية صعبة لكن ذلك لا ينفي الحاجة الى وجود برامج لتطوير الموارد وتفعيل قنوات التواصل وإنعاش الروح المعنوية للمواطن بعيدا عن التوتر والانفعال والتشكيك.
 بدون تغيير النهج واعتماد معايير شفافة وترك مساحة كافية للمؤسسة التشريعية لممارسة دورها الرقابي بعيدا عن الابتزاز والاستغلال، يبقى التعديل محاولة أخرى للتصويب لكنها غير مضمونة النتائج.

التعليق