صلاة الصيف في قطاع غزة

تم نشره في الجمعة 2 آذار / مارس 2018. 12:00 صباحاً
  • شبان فلسطينيون يرفعون العلم الفلسطيني خلال مواجهات مع الاحتلال قرب خان يونس بغزة أمس.-(ا ف ب)

هآرتس

جدعون ليفي

1/3/2018

أجد نفسي أفكر في اسماعيل أبو رياله. لم اتعرف عليه ولا يعرفه أحد من قراء "هآرتس"، وربما لم يسمع عن اسمه أي إسرائيلي. أنا انظر إلى صورته وربما تكون هي الصورة الوحيدة في حياته: وجه شاب، بقايا ابتسامة خجولة، حزينة، حلاقة انيقة، شبكة صيد أو مجداف في الخلفية.
لا استطيع رواية قصته كاملة، لأن قطاع غزة مغلق أمام المراسلين الإسرائيليين منذ 11 سنة من قبل إسرائيل. أنا لا أعرف الكثير عن حياته وعن موته، ومع ذلك اسمح لنفسي بأن أكتب عنه وأن أضع خطوط لشخصيته. لا يصعب تصور حياة شاب ابن 19 سنة، صياد من غزة، وأيضا ليس من الصعب تصور موته.
جنود سلاح البحرية قتلوه في يوم الاحد الماضي. هم اطلقوا النار على قاربه وقتلوه، هكذا ببساطة. صوبوا واطلقوا النار على الهدف مثلما دربوهم. هو بالطبع لم يعرض حياتهم للخطر ولو للحظة – كيف يمكن لصياد غزي مسكين في قارب قديم تعريض جنود سلاح البحرية المسلحين والمجهزين بسفينتهم المتطورة.
الجيش الإسرائيلي فسر عملية القتل بأن الصياد تجاوز المنطقة المسموحة للصيد في بحر غزة. إسرائيل تسمح للصيادين في القطاع بالصيد حتى مسافة 6 أميال. هكذا أمر المسؤول الذي أنهى احتلاله في غزة منذ فترة طويلة، المحتل الذي لا يحتل. الذي يبتعد عن الشاطئ اكثر من المسموح – عليه حكم واحد. فكروا بمراقب على شاطئ بحر تل ابيب يطلق النار على كل من يدخل إلى المياه في شاطئ ممنوع. الاحتلال الإسرائيلي في غزة انتهى، لكن ليس في البحر ولا في البر ولا في الجو. في القارب الذي اعيد لصيادي غزة وجدوا آثار دماء وصندوق اسعاف أولي.
بحر غزة هو الملاذ الاخير لها، ملاذ لاعالة الكثيرين. في الشعر والأدب والاساطير الصيادون هم دائما فقراء. وفي غزة هم أكثر فقرا. في يوم ما، في ازمنة اخرى، خرجت في ليلة صيفية حارة مع صيادين من غزة إلى البحر، عدنا عند الفجر وأكلنا مما صادوا وجبة اسماك لا انساها. ايضا أبو رياله خرج بحسكته – هكذا يسمون قارب الصيد في غزة – إلى البحر غير المفتوح. لقد اطلقوا عليه النار بعد أن اجتاز الخط المسموح. هل حذروه؟ هل سمع تحذيرهم؟ لن نعرف هذا أبدا. هم قالوا إنهم اطلقوا النار في البداية في الجو، كما يقولون دائما. حسب معطيات "بيتسيلم" فان جنود سلاح البحرية اعتقلوا في السنة الماضية 35 صيادا، واصابوا 10 وقتلوا صياد واحد.
أنا أفكر ايضا بالجنود الذين قتلوا اسماعيل أبو رياله، وضابط سلاح البحرية الذي امرهم باطلاق النار والجنود الذين اطلقوا النار، والمستقبل الذي ينتظرهم وامكانية أن يصلوا في حياتهم إلى أي مكان. وأفكر بالمستقبل الذي انتظر ضحيتهم واحتمال أن يفعل أي شيء في حياته، باستثناء أن يرمي شبكته ويأمل خيرا. هل شاهدوا ضحيتهم قبل اطلاق النار؟ هل هم حقا شاهدوه؟ هل فكروا بحياة ابن جيلهم في غزة، الذي يحاول أن يعتاش من البحر؟ هل فكروا فيه عندما اطلقوا النار وقتلوه بدم بارد، صياد غير مسلح، شاب بقي شابا إلى الأبد.
أبو رياله لم يكن حاخام أو مستوطن، لهذا فان إسرائيل لم تهتز من قتله، حتى أنها لم تهتم به للحظة، قتلته ليسوا مخربين، هم جنود الجيش الاخلاقي وهو كان صياد، حياته كانت تساوي السمكة التي حاول صيدها. لم يكن له شيء في حياته باستثناء محاولته البائسة للخروج إلى البحر غير المفتوح.
بالنسبة لجنود سلاح البحرية كان هذا كافيا من اجل اعدامه، هل فكر أحد منهم على الاقل فيه بعد أن قتلوه؟ هل فكر أحد ما بوالديه واخوته وبمصيره؟ هل يذكرون على الاطلاق أنهم قتلوا صياد شاب، انسان؟ "عندها خرجوا بصمت، يرتفعون مع المد ويهبطون مع الجزر"، كتب نتان يونتان في صلاة الصيف التي غناها مئير بناي.
لذكرى اسماعيل أبو رياله الذي لن يخرج ثانية من البحر.

التعليق