"وما آتاكم الرسول فخذوه وما نهاكم عنه فانتهوا"

تم نشره في الجمعة 2 آذار / مارس 2018. 12:00 صباحاً

د. محمد المجالي

كثيرة هي سهام التشكيك في هذا الدين العظيم، وهو منهج المشركين منذ زمن النبي نفسه صلى الله عليه وسلم، وهو الذي واجه الأنبياء جميعا، فدعوة الحق رغم وضوحها وتأييدها بالمعجزات، إلا أن أصحاب المصالح والجاه وأتباعهم لهم رأي آخر يشكل في عمومه الباطل الذي يصارع الحق، وسيبقى يصارعه حتى قيام الساعة فيما نسميه سنة المدافعة.
من الأمور التي نسجها أعداء هذا الدين هو وضع الشبهات حول حجية السنة النبوية، اجتهد على تشويهها المشركون قديما، والمستشرقون حديثا، وأثرت أقوال هؤلاء جميعا على بعض المنتمين للإسلام ليجهروا بأنهم (قرآنيون) لا يؤمنون إلا بالقرآن مصدرا للإسلام، أما السنة فقد اختلط صحيحها بضعيفها، ولا يوجد ما يدل على صحة نسبتها إلى النبي صلى الله عليه وسلم، وهي بذلك غير ملزمة، وسمعت من يفرق بين السنة النبوية القولية والعملية، فلا يقتنعون بالقولية، ويأخذون بعض السنة العملية التي هي تطبيق عملي لنصوص قرآنية، فيمكن قبولها عند بعضهم لعلاقتها القوية بالنص القرآني.
لقد أخبر النبي صلى الله عليه وسلم عن مثل هذه الأقوال قديما فقال: "يوشك أن يقعد الرجل متكئاً على أريكته يحدث بحديث من حديثي فيقول بيننا وبينكم كتاب الله، فما وجدنا فيه من حلال استحللناه، وما وجدنا فيه من حرام حرمناه، ألا وإن ما حرم رسول الله مثل ما حرم الله"، وهذا الحديث بحد ذاته من معالم النبوة، عمن ينكر حجية السنة فلا يؤمن إلا بالقرآن، فكون ما جاء فيه قد حصل فعلا، فهو من أقوى الأدلة على حجية السنة.
لا يعنيني الآن ما قاله المشركون قديما في استهزائهم بالوحي كله، ولا بمقولات المستشرقين الذين أثاروا الشبهات حول مصدرية القرآن نفسه، وكذلك السنة، فمثل هذه الشبهات متوقعة من مثل هؤلاء، ولكن المؤلم المحزن أن تكون لهؤلاء أبواق تتحدث بألسنتهم، وتتأثر بمقولاتهم، ويخترعون حججا جديدة تسوّغ مقولاتهم ونظراتهم. ولا أدري لم هذا التشكيك الذي قادهم إلى الإيمان الجزئي بمصدريْ الإسلام، فهم يعلمون أن السنة في الغالب شارحة للقرآن، وأنها تضيف أحكاما أخرى، فهي وحي تماما كالقرآن كما قال عليه الصلاة والسلام: "ألا إني أوتيت القرآن ومثله معه"، إلا أنها غير معجزة، فهل هو التهرب من الأحكام الشرعية التي ذكرها القرآن عموما ولم يفصلها، بل فصلتها السنة النبوية!؟ أم أنها خطوة تتبعها أخرى كي نشكك في القرآن نفسه!؟ بتأويله على غير مراده وليّ أعناق نصوصه كما نريد، وهذا حاصل أيضا من بعض المتفيقهين.
الأدلة على مشروعية السنة وحجيتها كثيرة في القرآن نفسه الذي يزعم هؤلاء (القرآنيون) أنهم يؤمنون به وحده، فلو كان إيمانهم صحيحا لفهموا قول الله: "وما آتاكم الرسول فخذوه وما نهاكم عنه فانتهوا"، وقوله المتكرر في آيات كثيرة حول طاعة الله ورسوله، وكذلك النصوص التي جمعت الرسول مع الله في مصدرية التشريع، كقوله تعالى: "وما كان لمؤمن ولا مؤمنة إذا قضى الله ورسوله أمرا أن يكون لهم الخيرة من أمرهم، ومن يعص الله ورسوله فقد ضل ضلالا مبينا"، وقوله: "يأيها الذين آمنوا لا تقدموا بين يدي الله ورسوله"، وغيرها.
أما موضوع وجود خليط بين الصحيح وغيره من ضعيف وموضوع مكذوب، فهذا الذي حث علماء الإسلام على التصدي له قديما، ولنا أن نتذكر أن النبي صلى الله عليه وسلم حث الصحابة عموما على أن لا يكتبوا عنه شيئا إلا القرآن، وهذا كان في البدايات (إذ كتب بعضهم حديث الرسول صلى الله عليه وسلم)، وحفظ الصحابة أقواله وطبقوها في حياتهم، وتم نقل هذه الأقوال من جيل لآخر، إذ استمروا على هذا التوجيه العام بعدم كتابة السنة، وكانوا فيما بينهم يعرفون صحة القول من ضعفه، ومسألة اختلاف ألفاظ التعبير عن أصل حديث النبي صلى الله عليه وسلم أمر متوقَّع، ولكن الذي جعل الأمة تجمع حديث رسول الله بعد مدة هو انتشار الوضع (الكذب) على السنة، لأسباب سياسية أو من الوعّاظ أو أصحاب الفرق، وهكذا، فأمر الخليفة عمر بن عبد العزيز بتدوين السنة، ونشأ علم الجرح والتعديل ووضعت قواعد قبول الحديث، وتشدد العلماء أيما تشدد في الحكم على الحديث وقبوله حتى عُرفت بأمة الإسناد.
ومن المبكي المحزن أن بعض هؤلاء استدلوا بأن البخاري –مثلا- جمع صحيحه في القرن الثالث الهجري، وبينه وبين النبي والصحابة مدة طويلة! وهذا هو الجهل بعينه، يظنون البخاري قد جاء بالأحاديث من عنده، ونسوا ما يسمى بالسند، وأن هذه الأقوال النبوية قد نقلها صحابة إلى تابعين، والتابعون إلى تابعيهم، وهكذا، فهي منتشرة، ولكن ما قام به البخاري وغيره هو التأكد من الصحة، ورفض الضعيف والموضوع، والمسألة ليست هنا للتفصيل، بل للبيان العام.
أما مسألة التفريق بين القولي والفعلي، فاحتج بعضهم بأن القول يدخله المجاز، ويعتريه الضعف، بينما الفعلي تطبيق عملي، وهنا أقول: أليس الفعلي قد نُقِل وصفه بالقول؟ فنقول مثلا: كان من هديه صلى الله عليه وسلم كذا وكذا، فالفعل منقول بالقول! ومن زاوية أخرى يقول الله تعالى: "وما أرسلنا من رسول إلا بلسان قومه ليبين لهم"، فهو القول، والسنة القولية أكثر بكثير من الفعلية، وغالبا لا يوجد شيء من القولي إلا وله تطبيق، اللهم إلا ما أخبر عنه صلى الله عليه وسلم بأنه كائن في المستقبل، وقد وقع كثير منه.
ما أحوج الأمة إلى مزيد من الوعي، وما أحوج هؤلاء إلى أن يرجعوا إلى العلماء الراسخين ليفهموا منهم الرد على هذه الأسئلة، ولو أن كل واحد اقتنع بفكرة ما حسب فهمه الخاص يريد أن يعممها ويجمع الناس عليها، فهي فترة التمزق والفرقة التي أصابت الأمة قديما، ولا نريدها أن تمزقهم حديثا، بل الاعتصام بكتاب الله وسنة رسوله كما أوصانا بذلك حبيبنا عليه الصلاة والسلام وهو يغادر هذه الدنيا.

التعليق