إصلاح الخطاب الديني وتطويره

تم نشره في الجمعة 2 آذار / مارس 2018. 12:00 صباحاً

د. أحمد ياسين القرالة

لا بد لنا بداية ونحن نتناول هذا الموضوع المهم والخطير، ومنعاً للخلط والالتباس وحذراً من الوقوع في الخطأ، واحتراماً للمنهجية العلمية أن نبين ما المقصود بالخطاب الديني الذي يخضع لعملية التطوير والإصلاح ؟
وللإجابة على هذا السؤال نقول: إن الخطاب الديني يتناول نوعين من الخطاب هما:
النص الديني المتمثل في القرآن الكريم والثابت بصحيح السنة النبوية.
الفهم البشري المستند للنص الديني فهماً وتفسيراً وتطبيقاً، ويطلق عليه البعض بالمكون البشري.
فالخطاب الأول المتمثل في النص الديني المقدس غير مقصود ولا معني بعملية الإصلاح  والتطوير، فهو خطاب لا يعتريه التغيير والتبديل وهو نص يتجاوز الزمان والمكان؛ لأن الإصلاح  إنما يكون لما يعتريه النقص والخلل، وهذا النص مطلق ومعصوم ومنزه عن الخلل والنقص؛ لأنه  إذا كان قرآناً فهو كلام الخالق عز وجل ووحيه، وأما إن كان من السنة فإنها إن  كانت ثابتة ثبوتاً صحيحاً لا شك فيه سنداً ومتناً فهي وحي الله تعالى، فهذا الخطاب أيضاً لا تطاله يد التطوير والتعديل وهو غير خاضع لعملية الإصلاح وغير مقصود بها.
أما النوع الثاني وهو الفهم البشري المستند إلى النص الديني فهماً وتنزيلاً، فهذا الخطاب باعتباره منتجاً بشرياً لا عصمة له ولا قداسة، وهو محكوم بالقدرات والمواهب البشرية، كما أنه خاضع لظروف الزمان والمكان، فهو قابل للتطوير والتغيير، ويحتاج في حالات كثيرة إلى إصلاح  وتطوير في لغته وأسلوبه ومضمونه، فما كان صالحاً في الزمن الماضي قد لا يكون صالحاً للزمن الحاضر، وما كان مناسباً ووافياً بالغرض في زمان ومكان قد لا كون كذلك في زمن آخر ومكان مختلف، وما كان من الضروريات في وقت قد يكون من التحسينيات في وقت آخر، وما كان معتبراً من الأولويات ماضياً قد يكون من التاليات حاضراً. وهذا الخطاب باعتباره اجتهاداً بشرياً في فهم النص وتفسيره، يتسم بالنسبية والذاتية، فلا يكون حجة على غيره من الاجتهادات؛ لأنه لا يعدو أن يكون ظناً في الفهم والاستنباط، أو محاولةً في التكييف والتوصيف أو اجتهاداً في التطبيق والتنزيل، وليس أحد الظنين بأولى من الآخر؛ ليكون حجة عليه. وإذا كان الأمر على هذا الحال فهذا الخطاب قابل للتعديل والتغيير والتبديل بالمعطيات الجديدة في الفهم والاستنباط؛ كما أنه قابل للتحسين في لغته وأسلوبه وأدواته، إذ لا يمكن علاج الواقع الحاضر بأدوات الماضي، ولا مخاطبة إنسان اليوم بلغة الماضي وأسلوبه، فلكل عصر أدواته ولغته وأسلوبه.
وليست الدعوة لإصلاح  الخطاب الديني افتئات على الدين أو إساءة إليه، بل هي خدمة جليلة نقدمها للدين نفسه، ليكون قادراً على مواجهة تحديات الحياة ومجابهة المتغيرات المتسارعة في عالم أضحى التغير هو الثابت الوحيد فيه، وبغير ذلك يبقى الدين عاجزاً عن الوفاء بمتطلبات الدعوة والقيام بواجبات الرسالة الخالدة.
ويجب إن لا يغيب عن بالنا ونحن نتحدث عن إصلاح  الخطاب الديني أن نقر ونعترف بأن عملية الإصلاح من الأمور الصعبة والشاقة جداً وتحتاج إلى وقت طويل؛ وذلك لأسباب ذايتة وموضوعية يتصدر مقدمتها الأمور الآتية:
إن هذا الخطاب ليس خطاباً واحداً بل هو متعدد في أشكاله ومضامينه متنوع في مصادره ومشاربه، مختلف في أسلوبه وأدواته، فمنه الرسمي وغير الرسمي، والمذهبي وغير المذهبي، والحزبي وغير الحزبي، والعام والخاص.
الشك والارتياب في مقصود هذا الإصلاح  ونبل غاياته، فالبعض يرى أنها عملية ظاهرها الرحمة وباطنها فيه الخراب العظيم من حيث المآلات والنتائج.
غياب المرجعية الموثوقة والمتفق عليها التي تتولى عملية الإصلاح  والتطوير.
لا يمكن فصل إصلاح  الخطاب الديني عن الإصلاح  في مجالات الحياة الأخرى السياسية والاقتصادية والاجتماعية؛ لأن إصلاح  الخطاب يؤثر ويتأثر بها.
تنازع المصالح المذهبية والرؤى السياسية والمنافع الشخصية التي تسيطر في بعض الأحيان على الخطاب  الديني.
ولكن ومع كل ذلك لا بد من الشروع وبجرأة في عملية الإصلاح المتأني والمتدرج ضمن رؤى واضحة وخطط مبرمجة وأهداف محددة، تشترك فيها كل الجهات المعنية بالخطاب الديني، بمقاصد نبيلة وأهداف شريفة وغايات وبواعث ذاتية، ولن يتم هذا الإصلاح بالوجه الأكمل إلا بإصلاح  المؤسسات المنتجة للخطاب الديني، وفي المقالة القادمة نستكمل الحديث عن هذه المؤسسات.

التعليق