المهدي المنتظر طائفية وصراع

تم نشره في الجمعة 2 آذار / مارس 2018. 12:00 صباحاً

د. محمد الشريفين

العقيدة هي يقين جازمٌ لا يقبل الشك، وعليه فيفترض أن يكون الدليل الذي استندت إليه تلك العقيدة نصا قطعي الثبوت قطعي الدلالة، كما وتتسم العقائد بأنها مشتركة بين الطوائف الإسلامية على اختلافٍ في التفاصيل، وبما أنها عقائد سماوية فيفترض فيها أن تكون عاملا من عوامل الوحدة.أما إذا انقلبت إلى محرك من محركات الفرقة والاحتراب فهذا مما يثير الشك في فهمنا لها، واستمدادنا إياها من مصادرها. وسيدور حديثي حول ما يُطلق عليه عقيدة المهدي عند السنة والشيعة، وأثرها في تأجيج الصراع الطائفي بين طرفي الأمة، وسيكون الحديث على النحو الآتي:
أولا: المهدي عند الشيعة: تشكل عقيدة المهدي عند الشيعة عماد عقيدة الرجعة عندهم،  وهي أصل من أصول مذهب الشيعة، وهي المحور الذي سُمِّيت لأجله طائفة الشيعة بالطائفة الإمامية، وقد حدد أعيان هذا المذهب المهدي المنتظر بأنه خاتم الأئمة الإثني عشر، وهو  محمد بن الحسن العسكري، وإذا ما ذُكر فإنهم يُــتبعونه بقولهم: (عجَّل الله فرَجَه)، وقد وُلد في سنة 255 هجرية في سامراء على حد زعمهم، وسيظهر في آخر الزمان، وسينشر مذهب طائفته، وسيحاسب نيابة عن الله تعالى أعيان أهل السنة والجماعة ممن اغتصبوا خلافة الإمام على رضي الله عنه، ومن أيدهم، ومن يؤيدهم من أتباع طائفة أهل السنة والجماعة، وسيملأ الأرض قسطاً وعدلاً  كما ملئت ظلماً وجوْراً، وبدون هذه العقيدة لا يكون الشخص مسلما شيعياً، وانتظار المهدي والدعاء بتعجييل فرجه واجب على كل شيعي إمامي. رغم أن هنالك من يشكك -بدراسات جادة- بوجود ابنٍ للحسن العسكري اسمه محمد من رجالات المذهب الشيعي نفسه؛ وبما أن ثَمّ من يشكك في هذه العقيدة من داخل هذا المذهب وبدراسات جادة؛ لذا لا يمكن أن تعتبر هذه العقيدة من المجمع عليه؛ وبذلك تكون قد فقدت هذه العقيدة مستندها الذي بنيت عليه. وينضاف إلى ذلك أن أدلتها النقلية لا تصمد أمام النقد فتصبح بحكم المظنونات، الأمر الذي يخرجها عن حيز الاعتقاد. وتعد هذه الفكرة بحق فكرة من أهم مغذيات تأجيج الصراع الطائفي الشيعية سيما ضد طائفة أهل السنة والجماعة.
ثانيا: المهدي عند أهل السنة والجماعة: يرى جمع من أهل السنة والجماعة أن عقيدة المهدي من العقائد الأساسية في المذهب، وأنه سيأتي في آخر الزمان لنصرة دين الحق، طبعا المقصود بدين الحق: هو ما عليه أهل السنة والجماعة، وهو حاكم عادل من نسل النبي صلى الله عليه وسلم، ولا علاقة له البتة بمهدي الشيعة. والمطالع للنصوص التي استندت إليها عقيدة المهدي المنتظر في مصادر أهل السنة والجماعة يجد أنه لا يصح منها حديث صريح عن رسول الله صلى الله عليه وسلم، وما كان منها صريح فهو غير صحيح.
وقدم لنا الإمام أحمد في هذا المضمار قاعدةً نفيسة فقد رُوي عنه أنه قال: ثَلَاثَةُ أُمُورٍ لَيْسَ لَهَا إسْنَادٌ: التَّفْسِيرُ وَالْمَلَاحِمُ وَالْمَغَازِي، وَيُرْوَى: لَيْسَ لَهَا أَصْلٌ. هذا وقد فُسر هذا الكلام بأن أصل المرفوع إلى رسول الله منها في غاية القلة. وقد لخص لنا ابن طاهر المقدسي المتوفى (355هـ) حال روايات المهدي حيث قال: "قد روي فيه-أي المهدي- روايات مختلفة وأخبار عن النبي صلى الله عليه وسلم وعن علي وابن عباس وغيرهم إلا أنّ فيها نظرا ". وقوله: إن فيها نظرا يخرجها عنده من دائرة العقيدة باعتبار أن العقيدة لا تقبل الشك في استمدادها.
وقال ابن بدران الحنبلي: "أما ذكر المهدي في كتب العقائد وإلزام الناس بالإيمان بخروجه، فلم نَــر أحداً قال به من العلماء المحققين، لا من أصحابنا – يعني الحنابلة – ولا من غيرهم ".
وكما أن المنتظر عند الشيعة هو مثبط للعزائم، ومكبل للتقدم والتطور، فإن المنتظر عند أهل السنة لا يقل تثبيطا وتكبيلا لطاقات هذه الأمة، وقبولها للذل والمهانة بانتظار مهديها الذي سيرفع عنها ذلك الأمر كله، ويرد إليها كرامتها وعزتها. وهذا التثبيط والتكبيل متعلق بأعداء الامة من الخارج، لكلتا الطائفتين، بيد أن هذه العقيدة هي سبب من أسباب التأجيج والاحتراب  بين هاتين الطائفتين، والواقع يشير إلى أن أثر هذه العقيدة عليهما أثر شديد الخطورة كما كان في الماضي وهو في الحاضر وسيورث إلى ابناء المستقبل. فلينظر علماء هاتين الطائفتين بمنطق وعقلانية إلى مصلحة البلاد والعباد، ولينبذوا مثل هذه العقائد التي لا تخدم المصلحة العليا للأمة، ولا يبتني على إنكارها إنكار معلوم من الدين بالضرورة.
أسأل الله فاطر السماوات والأرض أن يهدينا لما اختلف فيه من الحق إنه ولي ذلك والقادر عليه.

التعليق