علماؤنا والتأجيج الطائفي

تم نشره في الجمعة 9 آذار / مارس 2018. 12:00 صباحاً

د. محمد الشريفين

عندما يتحدث أيٌ منّا عن التأجيج الطائفي يُـــتهم باتهامات كثيرة، أقلها: أنه ينتمي للطائفة التي يدعو لعدم التأجيج ضدها، فإذا كان سُنّيا ووقف ضد التأجيج الطائفي اتهم بالتشيع، وإذا كان شيعيا ووقف ضد التأجيج الطائفي اتهم بأنه سُني، وهذا أقل ما يمكن أن يُتهم به، وهناك تهم مُعَلّبة أخرى أكثر حِدةً: كالتكفير، والتفسيق، والتضليل، والزندقة، وغيرها، وهذه هي باقة ورود كثير من علماء هذه الأيام ينثرونها في وجوه مخالفيهم.
أعتقد أن من الخطأ الفادح أن نتعجل في الحكم على الآخرين المخالفين لنا في المنهج، خاصة إذا خالفوا ما ألفناه، فلا بد أن نفهم مراد المخالف فنلتمس له الأعذار، ثم تكون مرحلة الحكم، ونحن عندئذ قد نصيب وقد لا نصيب.
 إن الاختلاف سنة كونية وإرادة الهية، قال تعالى: (وَلَوْ شَاء رَبُّكَ لَجَعَلَ النَّاسَ أُمَّةً وَاحِدَةً وَلاَ يَزَالُونَ مُخْتَلِفِينَ)، فالله تعالى بحكمته البالغة خلقنا مختلفين، وكان ذلك لكي نتلاقى فنتعارف ونتصاهر ونتعاون، قال تعالى: (يَا أَيُّهَا النَّاسُ إِنَّا خَلَقْنَاكُمْ مِنْ ذَكَرٍ وَأُنْثَىٰ وَجَعَلْنَاكُمْ شُعُوبًا وَقَبَائِلَ لِتَعَارَفُوا ۚ إِنَّ أَكْرَمَكُمْ عِنْدَ اللَّهِ أَتْقَاكُمْ ۚ إِنَّ اللَّهَ عَلِيمٌ خَبِيرٌ)، ويلاحظ في الآية الكريمة أن الخطاب للناس كافة، ولا بأس بأن يتعارف أصحاب الملل المختلفة فضلا عن أصحاب الطوائف في الدين الواحد، ولا يقتصر الاختلاف على الشكل والصورة، بل يتعدى ذلك إلى المذهب والطائفة والدين والثقافة وغيرها، وهذا لا يعني بحال أن جميع المذاهب والطوائف والأديان صحيحة، وإنما الحديث عن طريقة التغيير لمن يعتقد أنه على الحق.
 إذا ما تحدثنا عن ديننا الحنيف فإن عنوان التغيير فيه يتلخص في قوله تعالى: (ادْعُ إِلَى سَبِيلِ رَبِّكَ بِالْحِكْمَةِ وَالْمَوْعِظَةِ الْحَسَنَةِ وَجَادِلْهُمْ بِالَّتِي هِيَ أَحْسَنُ إِنَّ رَبَّكَ هُوَ أَعْلَمُ بِمَنْ ضَلَّ عَنْ سَبِيلِهِ وَهُوَ أَعْلَمُ بِالْمُهْتَدِينَ)، وأصحاب الدعوات وعلى رأسهم رسولنا الكريم محمد صلى الله عليه وسلم عن ذلك يَـصدرون.
إن  القلب ليتفطر عندما يتحول الحوار الفكري إلى صراع دموي، وتتحول الدعوة للحق والدفاع عنه وعن أهله: ذبحا وقتلا وتأجيجا.
 يروى عن الإمام مالك أنه قال:"اذا رأيت الرجل يدافع عن الحق فيسب ويشتم فاعلم أنه معلول النية؛ إذ الحق لا يحتاج إلى ذلك"، هذا في حق من يتكلم فكيف والحال كذلك في حق من يقتل ويذبح ويحرق باسم الدين؟ كيف للعالم أن يؤيد ذلك؟
إذا ما رجعنا لعهد النبوة فإن تقسيم سني شيعي لم يكن موجودا؛ وعليه فلا يستند أي من مسمى السنة والشيعة إلى سند نبوي صريح، ثم انقضى عهد النبوة وعهد الخلفاء الأربعة، ولم يكن لأي من هذه المسميات أي رصيد معرفي في أدبيات تلك المرحلة، ثم بدأت هذه الأسماء بالظهور، وبدأ كل فريق يحشد لنفسه، وأنا هنا لست في معرض الحديث عمن ضل أو عمن هو على الهدى، ولا أريد تخطئة أي من طرفي الخلاف، وإنما موضوع حديثي في الإجابة عن التساؤلات الآتية: هل يجوز أن يتحول الخلاف الفكري إلى خلاف مسلح؟ أين العلماء وما دورهم؟ هل يمكن للمسلم أن يقتل أخاه تحت مسمى نصرة الإسلام أين تقف السياسة من هذا الصراع؟ هل هي مُوجِهة أم مُنفذة؟ هل يجوز للعلماء أن يتحولوا إلى أدوات للساسة؟
أين العلماء وما دورهم؟
لقد تحولت كثرة كاثرة من العلماء والمشايخ وأئمة المساجد إلى مسعري حرب، وأصبحوا يتحركون وفق قاعدة ما يطلبه المستمعون، وبدل أن يتبعوا قاعدة: "لَتُبَيِّنُنَّهُ لِلنَّاسِ وَلَا تَكْتُمُونَهُ"، اتبعوا قاعدة السائد والمشهور، وهذا السلوك بعيد عن مقاصد الدين وعن دور العلماء السامي -في هذه المرحلة الحرجة- والمتمثل في ترسيخ قِيّم التسامح والتكافل والبناء والعطاء والمحافظة على النفس الإنسانية، وأصبح الواحد منهم رهين السياسة وحبيس الفكر الهدّام ، وقد يقول لي قائل:كيف تدعو للتعايش والآخر يدعو للحرب؟ فأقول هنا: إنه ليست مهمة العالِــم التجييش بل هي مهمة السياسي .
ذلكم أن العلماء يستندون في سلوكهم إلى رصيد معرفي من القرآن والسنة، هذا الرصيد المعرفي  هو الدين الذي يدينون به لرب العالمين، ومن أهم مزايا هؤلاء الرسوخ والنظرة الشمولية لهذا الدين، فلا يؤمنون ببعض الكتاب ويكفرون ببعض، بل يؤمنون بالكتاب كله، ويضمون الى ذلك صحيح سنة النبي صلى الله عليه وسلم عمليها ونظريها، وعن جميع ذلك يصدرون، وعليه فإن عنوان"نَسلَم ويسلَمون-أي لا يريدون النجاة لأنفسهم فقط بل للجميع-" شعارهم عند الاختلاف.
لقد تحولت المنطقة إلى برميل متفجرات، واستبدل العرب ببلاد العرب أوطاني بلاد الحرب أوطاني، وإنه لمن المروع جداً أن يتم القتل باسم الله تعالى، وباسم رسول الله صلى الله عليه وسلم، وباسم نصرة الإسلام.
لقد تحول الدين بسبب طائفة من العلماء إلى لعنة بعد أن كان رحمة، إلى أداة للتفريق بدل أن يكون أداة للتجميع.
لقد كان الدين الحنيف وما زال مصدرا لكل فضيلة، مصدرا لكل رحمة ولم يكن في يوم من الأيام مصدر بؤس وقلق وقتل وتفريق وتمزيق، قال تعالى"طه * مَا أَنزَلْنَا عَلَيْكَ الْقُرْآنَ لِتَشْقَىٰ".
أسأل الله تعالى أن يلهمنا رشدنا وأن يهدنا الصراط المستقيم، وأن يمتع أهلنا وبلادنا بالأمن والأمان والسلامة والإسلام، وأن يحفظ بلدنا الأردن آمنا مطمئنا وسائر بلاد المسلمين.

التعليق