هل التخوين خصلة عربية؟

تم نشره في الجمعة 9 آذار / مارس 2018. 12:09 صباحاً

ما إن تختلف في الموقف السياسي في القضايا العامة، مع صديقك أو زميلك... حتى يتهمك بالخيانة. وما إن تنتقد سياسة ما لهذا البلد أو ذاك حتى تُتهم بالخيانة، فإذا انتقدت سياسة عبد الناصر الداخلية أو الخارجية فسرعان ما يتهمك الناصريون بالخيانة مع أنك لا تتهم عبد الناصر بالخيانة أبداً فله إنجازات عظيمة كما بالسد العالي، والتعليم، والقضاء على الإقطاع ولكنك تدعي أنه أخطأ بتطويب القوات المسلحة ملكاً لعبد الحكيم عامر. وكأن الاتهام بالخيانة خصلة أو سمة عربية فطرية.
وإذا انتقدت سياسة صدام الداخلية أو الخارجية فسرعان ما يتهمك البعثيون العراقيو الهوى بالخيانة، مع انك لا تتهم صدام أبداً بالخيانة فله انجازات كبيرة هو الآخر. وإنما تدعي أنه أخطأ في ديكتاتوريته المطلقة، وأودى بالعراق وهو يقصد البلوغ به إلى القمة.
وإذا انتقدت المقاومة المسلحة في فلسطين فإن الإسلاميين سرعان ما يتهمونك بالخيانة، مع أنك لا تتهم حماس أو الجهاد بالخيانة، فهدفك وهدفهما واحد، وهو تحرير فلسطين وإنما تدعي أن هذه المقاومة غير قابلة للاستدامة والتحرير في منطقة جغرافية ضيقة ومحاصرة من جميع الجهات، وأن الشجاعة اللازمة للمقاومة السلمية تتفوق على الشجاعة اللازمة للمقاومة المسلحة.
بالمقاومة السلمية تستمر الحياة العامة والخاصة ويفلس الجواسيس، وتستقطب تأييد العالم، وشرائح متزايدة من العدو كلما ارتكب عنفاً ضدها. وقد تتسع مساحة الثقة بين الطرفين وتسرّع في التوصل إلى تسوية ما معقولة أو مقبولة منهما.
إنها مقاومة مستدامة كان كل الشعب الفلسطيني مشتركاً فيها سنة 1987، ولكن المقاومة المسلحة المتفاوتة قلبت المعادلة دون قصد لصالح العدو ترويعاً للشعب الفلسطيني وتدميراً له واستيطاناً لأرضه وسجوناً أبدية لأبنائه، وحواجز وأسواراً وحصاراً مريراً ودقيقاً لدرجة أن الطير الفلسطيني يعجز عن اختراقه، وأخيراً الاستيلاء على مخصصات أسر الشهداء والجرحى، فقضية فلسطين فريدة من نوعها ويجب أن يكون التعامل معها فريداً.
أسألكم وأسأل مؤيدي المقاومة المسلحة في فلسطين أن يجيبوا عن هذا السؤال بصدق: هل صار وضع القضية أو وضع الشعب الفلسطيني محلياً وإقليمياً ودولياً أحسن أم أسوأ بهذه المقاومة؟ وإذا كانت أحسن فلماذا لا تستمر؟
************
إن روح العربي سريعة العطب وتكاد تطلع من الاختلاف، فلا ينتظر أحد أن يسمع منك أو يفهم منك، مع أن هدفك وهدفه في النهاية قد يكون واحداً. لكن العربي المجبول على نمط واحد من التفكير لا يؤمن بالتعددية ولا يطيقها، لدرجة تفضيله الديكتاتورية على الديمقراطية لأن الديكتاتورية تريحه من حرية الاختيار من بدائل.
************
يعجَب المراقب العربي من تأييد المسيحيين الإنجيليين في أميركا ترامب على الرغم من فضائحه الأخلاقية متجاوزين بذلك جميع مبادئهم وتمسكهم الشديد بها.
في تفسير ذلك يقال: إنهم يؤيدون ترامب لأن سياسته تتفق مع مصالحهم، ويبدو أن المصالح عند الأفراد والجماعات والشعوب والدول تتقدم على المبادئ والأخلاق.
وللعربي المتعجب من هذا التأييد الإنجيلي وكأنه بريء من مثله نقول: افرض أن ترامب تراجع عن قراريه بنقل السفارة إلى القدس والاعتراف بها عاصمة لإسرائيل مطالباً إياها في الحال بالخضوع لقرارات الأمم المتحدة جملة وتفصيلاً، ألا تصفق له؟ وقد تعتبره أعظم رئيس دولة أميركي في التاريخ. وبعبارة أخرى نحن لا نختلف عن غيرنا في تقديم المصلحة على المبادئ والأخلاق.

التعليق