إبراهيم غرايبة

مدونة النصوص الجغرافية لمدن الأردن وقراه

تم نشره في السبت 10 آذار / مارس 2018. 01:08 صباحاً

يمثل كتاب الدكتور المهدي عيد الرواضية "مدونة النصوص الجغرافية لمدن الأردن وقراه" والصادر عن لجنة تاريخ الأردن – مؤسسة آل البيت للفكر الإسلامي مرجعا مهما في الاطلاع على الجغرافيا التاريخية للأردن، ويمكن أن يؤسس لدراسات اجتماعية وإنسانية عن الأردن والأردنيين، وكان الرواضية قد أصدر في عام 2002 كتاب "الأردن في موروث الجغرافيين والرحالة العرب"، لكنه في هذا الكتاب أدخل مراجعات وإضافات ضاعفت الكتاب في حجمه وقيمته، وقد عرض الرواضية في كتابه أكثر من 1200 مدينة وقرية أردنية وردت في المصادر، وبملاحظتي على القرى والمدن العجلونية، فلا بد أن هناك أكثر من 1000 قرية وبلدة لم تذكر في المصادر، ومعظمها إن لم يكن جميعها تحتوي شواهد على استيطان حضري قديم.
 وأحزنني أن الرواضية كما يقول في المقدمة لم يتوصل بملاحظات أو دراسات ومراجعات للكتاب، والواقع أن الكتاب برغم أهميته الكبيرة وأنه إنجاز علمي موسوعي جميل، لا يمكن أن يقوم به باحث واحد، إذ يحتاج إلى مراجعة وتدقيق من عدد من الباحثين والمثقفين من عدة محافظات أردنية ليقدموا خبراتهم ومعلوماتهم العامة والمتخصصة في ضبط أسماء الأماكن والبلدات والمدن ومراجعتها، والاستدراك على ما لم يظهر في المدونة، ثم وفي مرحلة تالية يمكن إعداد دراسات أكثر شمولا لمساعدتنا في فهم التاريخ الاجتماعي والاقتصادي والثقافي للأردن، ويمكن أيضا تقديم استنتاجات وتصورات ثقافية وانثروبولوجية مستمدة من المعلومات الأساسية في المدونة.
اعتمد الرواضية بشكل أساسي على سجلات ووثائق الدولة العثمانية (دفتر الطابو)، وهي بيانات إحصائية شاملة عن المدن والقرى، تقدم معلومات دقيقة عن السكان والموارد الاقتصادية فيها، ولا شك أنها تصلح لبناء تصور للحالة الاقتصادية والاجتماعية في القرن السادس عشر، كما واطلع على كتب الرحلات والجغرافيا والتاريخ ودواوين الشعر، وتتبع ما ورد فيها عن الأردن والأردنيين، وهي مراجع وكتب تضم معلومات ومعارف ثمينة ومهمة لكنها متناثرة وتحتاج إلى إعادة تنظيم ليطلع القارئ الباحث والمثقف على ما يخص الأردن منها، ولا شك أنه جهد كبير ودقيق، وملتبس ايضا، فالكثير من الأسماء لا تنسب إلى أماكن، والأماكن نفسها لا تحدد بالمعايير الجغرافية والحدودية التي نعرفها اليوم، ولا بد بالطبع أن نأخذ بالاعتبار أن الأردن جزء من بلاد الشام التي تمثل وحدة جغرافية واجتماعية واحدة، ولا شك أن التقسيم الدراسي والبحثي الذي اشتغل به الباحثون والمؤلفون السوريون واللبنانيون والفلسطينيون والأردنيون أنشأ فهما غير واقعي للتاريخ والجغرافيا التاريخية، لدرجة أن الأكاديميين والباحثين صاروا يعتقدون بوضوح غير معلن أن اتفاقية سايكس بيكو حدثت قبل الميلاد بخمسة آلاف سنة، ولشديد الأسف فقد ظهر الأردن في معظم الأعمال التاريخية والتحقيقية وكأنه غير موجود، بل وتعرض للإساءة والعجرفة البحثية والمعرفية، هكذا اجتمع على الأردن والأردنيين ظلم الأشقاء وعجرفتهم وتقصير الأردنيين بحق ذاتهم.
صحيح أن لجنة تاريخ الأردن أصدرت مجموعة من الدراسات المهمة، وقدم الباحثون الاردنيون مجموعة من الأعمال والدراسات المهمة، ويمكن عرض قائمة طويلة بالأساتذة والمنجزات التي قدمت، .. لكن مازال ثمة حاجة كبيرة لبناء تاريخ اجتماعي  وإنساني (انثروبولوجي) .. وبناء وعي عميق بالذات، وهذا ليس ترفا علميا أو زينة إضافية، فعندما يغيب الوعي بالذات تختفي الذات نفسها، فالآراميون العمونيون والمؤابيون والآدوميون الذين أسسوا في هذا البلد مدنا ومجتمعات وحضارة عامرة لم يختفوا لأنهم انقرضوا بيولوجيا، لكن اختفى وعيهم بذاتهم وبلغتهم ومدنهم وحضارتهم، ولا بد أن معظم الأردنيين اليوم هم امتداد للأمة التي استوطنت وعمرت البلد، فما زال الكثير من لغتهم ومدنهم وتسمياتهم بل وعقائدهم ورموزهم وأسلوب حياتهم قائما بيننا ونحن لا نعي ذلك، ويمكن بمطالعة كتاب الأستاذ روكس العزيزي ملاحظة الامتدادات القائمة حتى اليوم لتلك الحضارة العريقة والرائدة.
تحية للدكتور المهدي عيد الرواضية على كتابه الجميل، والمؤمل أن تبنى عليه دراسات أخرى، ولعل طلبة الماجستير والدكتوراه في جامعاتنا ينهضون بهذه المهمة الجليلة.

التعليق
› ان الاّراء المذكورة هنا تعبر عن وجهة نظر أصحابها ولاتعبر بالضرورة عن اراء جريدة الغد.
  • »تعاظم مركز الأردن التفاوضي دولياً يقتضي تصعيد المطالب (تيسير خرما)

    السبت 10 آذار / مارس 2018.
    قبل 14 قرناً شملت ولاية جند الأردن جنوب لبنان وجنوب سوريا وشمال فلسطين وأنهار وساحل على البحر المتوسط وكانت مصاهرات وعشائر ممتدة وحامية بحيفا حتى 1948 واقتطعت هذه الأجزاء تدريجياً فحرم الأردن من أنهار وبحيرات وساحل غربي وحصة بغاز المتوسط لصالح إنشاء لبنان وإسرائيل، بل إن لاجئي 1948 للأردن وسوريا ولبنان هم تاريخياً أردنيون عبر 14 قرناً، فعلى الأردن استغلال تعاظم مركزه التفاوضي دولياً وتصعيد مطالبه لبدء استعادة مناطقه وموارده ولو بكوريدور إلى ساحله الغربي بين صور وحيفا عبر درعا والجولان والجليل.