علاء الدين أبو زينة

العمل من أجل التعليم..!

تم نشره في الأحد 11 آذار / مارس 2018. 12:08 صباحاً

من مَواطن شكوى مَن يُحسَبون على الطبقة الوسطى في البلد، أن قطعة كبيرة جداً من دخولهم تذهب إلى فاتورة تعليم الأولاد. ويقول واحدُهم إنّ الغاية الأولى من عمله هي دفع هذه الفاتورة، وكأنه يعمل من أجل التعليم بشكل أساسي. وهذا صحيح إلى حد كبير. فإذا كان لديك أربعة أبناء أو خمسة يدرسون في المدارس الخاصة أو الجامعات أو كليهما، فستكون كلفة تعليمهم بالمئات شهرياً -بلا مبالغة- في استثمار مغامر غير مضمون العوائد. وربما تصل كلفة تعليم الابن الواحد من البستان إلى نهاية الجامعة 200 ألف دينار وما فوق، لينتهي بهم المطاف إلى زمن من البطالة، ثم يحتاجون إلى عقود من العمل إذا وجدوه لاستعادة رأس المال فقط بالأجور الحالية.
إذا كان الآباء يعملون من أجل دفع كلفة تحصيل التعليم لأبنائهم دون ضمان بأنهم يزودونهم بفرصة للعمل، فإن التعليم يصبح غاية وليس وسيلة، وتسود معادلة العمل من أجل التعليم بدلاً من التعليم من أجل العمل. وكأن التعليم ترفٌ بلا غاية عملية، وكأنه ليس المورد الاستراتيجي الأساسي في بلد مثل الأردن، بحيث يُصارُ إلى جعله عبئاً يشكو الجميع من تحمُّل كلفته وتتخلص منها الدولة وتحمل مسؤوليتها للمواطن!
"العمل من أجل التعليم" بالمعنى الآخر: البحث عن سبل تطوير التعليم ومعالجة أسباب رداءته، يركز على المناهج والاختبارات ونوعية المعلم، لكنه لا يراجع البعد الاستراتيجي لتداعيات خصخصته على المستوى الوطني. ولعل من الملفت أن يكون تخفيف عبء القطاع العام المترهل والبطالة المقنعة قد بدأ بالتعليم، بينما ظلت قطاعات أقل أهمية بما لا يقاس على ترهلها وهدرها. وفي المقابل، لم تتحسن سوية التعليم، ولا أحوال المعلمين، ولا كفاءة الطلاب، ولا نوعية الإنتاجية العامة وكفاءة الاقتصاد. وربما فكرت الحكومات في الأردن بشيء من قبيل: نحن ندفع رواتب المعلمين، وكلفة بناء المدارس وإدامتها، وأثمان الكتب وكل شيء تقريباً. وعدد السكان يزيد ومعه عدد الطلاب. لماذا لا نتخففُ من كلفة التعليم ونُسند العملية إلى مقاوِلين ومستثمرين، على طريقة خصخصة النقل العام مثلاً؟ ويُفترض أن تؤدي الخصخصة إلى رفع سوية التعليم، كما يُتوقع أن يحصل عندما تتولى النقل العام شركات محترفة وصاحبة إمكانيات، تُهيئ البنية التحتية والوسائل وتتحمل الكلف!
وكان ما حدث هو الإبقاء على المدارس الحكومية، وإنما مع "خيار" المدارس الخاصة. وشيئاً فشيئاً هاجر الأهالي إلى التعليم الخاص، أولاً لأن المدارس الحكومية والتعليم العام جُرِّدا من الجاذبية؛ وثانياً لأن التعليم الخاص سوّق نفسه على أنه مختلفٌ في كل شيء، من المباني واللوجستيات إلى المناهج والمعلمين، بحيثُ يخرج لك ابناً نوعياً. وصنع ذلك طبقية في التعليم، حيث بقيت المدارس الحكومية للفقراء، وأصبحت الخاصة للطبقة الوسطى، والخاصة جداً للنخبة الثرية. والحصيلة؟ نوعية تعليم يشكو منه الجميع، وبطريقة لم تنعكس على التكوين الاجتماعي والاقتصادي للبلد بأي طريقة في المجموع.
الآن، تورط أولياء الأمور. إنهم يريدون إعادة أبنائهم إلى مدارس الحكومة لأن المصاريف تخنقهم، لكن سمعة المدارس الحكومية وبنيتها التحتية والفوقية تخيفهم. وهم لا يريدون المغامرة بمستقبل أبنائهم من جهة، ولا يجرؤون على قهر ثقافة الاستهلاك والتباهي بالإعلان عن مغادرتهم "الطبقة" هبوطاً. وهم يعرفون أيضاً أن التعليم الخاص في معظمه لا يفرق عن تعليم الحكومة من حيث المُخرجات، وأن طالب الحكومة يمكن أن يكون من أوائل المملكة إذا لم تستقطبه المدارس الخاصة بإعفائه من الرسوم لوضع اسمه في الجريدة باسمها. وينطبق الأمر على الجامعات الخاصة عالية الكلفة التي يذهب إليها الطلبة لتعذر تحصيل مقعد في الجامعات الرسمية.
التعليم في الأردن هو الاستثمار الاستراتيجي الأهم وربما الوحيد. وإذا كانت نتيجة "العمل من أجل التعليم" عند صانع القرار هي جعل المواطن يعمل من أجل التعليم ويدفع كلفة باهظة لشيء لم يعد مجزياً ولا يضمن للأبناء أمناً، فإن هناك خطأ كبيراً يستوجب التعقب. وعلى الدولة التفكير في استعادة الاستثمار في التعليم العام وإدارته وإعفاء المواطن من كلفته، لأن واجبها أن لا تسلّم أصلاً استراتيجياً للأهواء. وليس الأبناء لآبائهم في الأساس بقدر ما هم لبلدانهم، ولا يجوز أن تخطئ الدولة في تقدير ذلك.

التعليق