نادر رنتيسي

"غسان حَزينْ"

تم نشره في الجمعة 16 آذار / مارس 2018. 12:00 صباحاً

جاءني "غسان" في المنام. سألني بصوته الخفيض أنْ أشرح له كلمة تويتر. سعدتُ لأنّ "غسان حزيّن" أخيراً قد احتاج مني "المعرفة"، ولم أندهش أنّ ذلك الشاب الأبيض كأول النهار، الرقيق كأسطوانة موسيقية، خفيف الشَّعر والروح، جاءني يمشي على قدميه، ويتكلّم كما أعرفه بمزيج فريد من الأدب والسخرية. أمّا الذي أدهشَني، وما زال يُضحكني ويُدمعني أنّ "غسان" قد احتاج أنْ يسألني، وأنّي لأول مرة أعرفُ ما لا يعرف.
يسألني صديقي الطيّب في المنام عن تويتر، فشبكة التدوين الصغيرة أنشئت في العام السادس من هذه الألفية، وفي هذا العام المشؤوم، في يوم من تموز، كان "غسان حزيّن" يوصل المخرج الفلسطيني ميشيل خليفي إلى جسر الشيخ حسين، وارتبكَ (غسان كانت تُربكه ذبابة) في شارع شديد الخطورة، خال من الإرشادات، ليدخل في مسرب خاطئ، ويصطدم بشاحنة صغيرة، وبأثر نزيف في المنطقة المسؤولة عن الوعي، نام.
ذهبتُ إلى المستشفى، لكنّي لم أدخل لرؤية "غسان" في غيبوبته، خذلتني الخطوات الأخيرة، وتراجعت كثيراً خلال كلّ هذه السنوات عن زيارته. ولستُ نادماً، فـ"غسان" يعذرني منذ لقائنا الأول، ويعرف أنّي "حسّاس"، ولن أتحدّث إليه من دون أن يسمعني، حتى هذا المقال تراجعتُ في البداية عن كتابته بضمير المخاطب لأنه لن يقرأه. لكنّكَ أخجَلْتَني يا صديقي حين جئتَ إلى منامي ماشياً على قدميك، كأنّكَ تعاتبني متأخّراً، فأنتَ، لا أنا، منْ جئتَ لتضيء منامي.
سمعتُ أنّ الأصدقاء يقصون عليكَ الحكايات لتصحو، وأعرفُ أنّكَ حين تصحو ستسخرُ لأنكَ تعاكس المألوف، فالحكايات تُقصُّ لاستجلاب النوم، وستسخرُ أيضاً منّي حين أعيد عليكَ رواية لقائنا الأول في العام 1999 حين طلب منّي أبي أن التقي "ابن صلاح" الذي طلب منكَ أنْ تلتقي "ابن علي"، في واحدة من وصايا الآباء للسنة الجامعية الأولى. لم أسأل عنكَ ولم تسألْ عنّي، وتركنا الأمر بالتواطؤ لمصادفة اتفقنا على ألا نصفها بـ"السعيدة".   
كنتَ تشرفُ على إخراج مادة لكَ عن سميّك "كنفاني" في "صحافة اليرموك"، وكنتُ أبحثُ عن مساعدة تقنية. كنتَ دائماً تساعدني، وكنتُ دائماً أنتظر مساعدتك، أجلس وراءك في امتحان اللغة الانجليزية، فتفتحُ لي أوراقكَ لأنقل أماكن الدوائر إلى أوراقي، فحصلتُ على علامة النجاح التي فاجأت "الدكتور"، فأبعدَني عنكَ "نصف كيلو" في الامتحان النهائي. وكنتُ أخرج في المظاهرات، وأعود لأجدكَ جالساً على درج القسم، تبادرني ساخراً: "الله يقويكْ"، ولم تقل لي أنّي كنتُ منهمكاً بالعبث.
كنتَ تمتلكُ ذائقة موسيقية، من فيروز إلى الشيخ إمام، وحين جئتكَ مبهوراً بأغنية "مالَ واحتجبْ" لكاظم الساهر، سخرتَ من لحنها، ورجوتكَ ألاّ تنغص عليّ سماعها، لكنكَ فعلتَ، وطلبتَ مني أن أستمع إليها بلحن سيّد مكّاوي، وصوت فهد بلان، فكرّرتُ أنا اسمه ساخراً، ربّما كنتُ أعتقد غشيماً أنّ لكاظم الساهر صوتاً أكثر طرباً ورجولة من فهد بلاّن. الآن حين يأتي دور الأغنية في الاسطوانة أقفزُ عنها، فقد استجبتُ لنصيحتكَ.. لكنكَ أنتَ الذي ملتَ، وأنتَ الذي احتجبتْ.
كنتَ ساخراً لاذعاً رغم خجلك الظاهر، والمصادفة أنّ لقاءنا الأخير كان في حفل توقيع لكاتب ساخر هو "محمد طمليه". سخرتَ من كلّ ما هو جاد، وما هو زائد، كـ"الشدّة" على اسمك، التي لم تكتفِ بأنكَ "حزينْ" بل "حزيّن" كأنّها تشدّكَ من ياقتكَ إنْ تجرّأتَ على الفرح، حتى في نومكَ كنتَ شاهداً على سخرية سوداء حين وقفَ شرطي على باب غرفتكَ بالمستشفى لمنعكَ من "الهروب"، باعتبارك الطرف المتسبِّب بالحادث، وربّما "الجاني"!
تسألني عن "تويتر"، لستُ يا صديقي سعيداً لأنّي أعرفُ ما لا تعرف، فما زلتُ أحتاج مساعدتك في كلّ شيء، لهذا سأدعوكَ لسماع عبارة سميّكَ غسان كنفاني: "لكَ شيءٌ في هذا العالم.. فقُمْ".

التعليق