تنمية التخلف والإنسان المقهور!

تم نشره في الأربعاء 21 آذار / مارس 2018. 12:00 صباحاً

المهندس هاشم نايل المجالي

التنمية تعكس الاداء الحضاري لاي مجتمع في اي مرحلة زمنية، بالمقابل فان التخلف يعكس العجز الذي يكبل المجتمعات عن الانطلاق مما يسبب التأخر والعجز عن مسايرة الركب عن بقية المجتمعات المتحضرة وهو تأخر زمني وقيمي وسلوكي عن ركب الحضارة والرقي، فاذا كانت التنمية تسعى الى عملية الانتقال من الاسوأ الى الافضل، فان التخلف يعمل الى الانتقال من التقدم الى التأخر، ومن هذا المنطلق فان الحكومات والمنظمات التي لا تسعى وتعمل لتنمية المناطق النائية في المحافظات من رفع مستوى الخدمات التعليمية والصحية والعلمية والصناعية والتقنية والمحافظة على القيم الاخلاقية والسلوكية والمعيشية للمواطن، فانها تكون في هذه الحالة تعمل على تنمية التخلف في تلك المناطق وتسبب التراجع في الفكر الانساني نفسياً وثقافياً وعلمياً اي يتراجع عن المستوى الحضاري حتى في اساليب الحوار ويصبح انسان مغلقاً فكرياً في التعامل والسلوك.
علماً بان الانسان هو قائد التنمية المختلفة ومحركها ومستهدفها، وعدم قدرة تلك المجتمعات الوقوف امام الازمات والتحديات حتى التي تعترض تنميتها، كذلك عدم القدرة على معالجة كثير من العادات والتقاليد والثقافات السلبية وتجعل من المواطن في تلك المناطق استعداد نفسي للتبعية والانسياق حول اي شخص او تنظيم او جماعة، خاصة اذا كان هناك تحيز من قبل الحكومة لتطوير وتنمية مناطق على حساب مناطق اخرى حيث تكون هناك التنمية الفردية والتنمية المجتمعية بينما في المناطق الاقل حظاً تنعدم كل مكونات التنمية ويصيب المشاريع العديد من الغشاوة لتضيع البوصلة وتعتبر ان الحكومة تخلت عنها.
لذلك تكمن اهمية التشخيص لتلك المناطق لمعرفة اسباب التذمر، فالتخلف الفكري ينمو في مجتمعات غير متحضرة نتيجة اخفاقات الحكومة مع الادارات وانشغالها في امور اخرى، مع العلم بان الحلول الجذرية معلومة وممكنة، وعندما تعزف عنها الجهات المعنية تكون قد عملت على تنمية التخلف وما يرافق ذلك من انعكاسات وظواهر سلبية، فهناك افواه جائعة وفقر يزداد وبطالة وتهميش وعدم اهتمام، فتحل لغة القوة بدلا عن لغة التفاهم لبناء شراكات لتحقيق التنمية.
فاذا حبة القمح اصبحت مستوردة والمزارع يعاني فماذا تبقى لابناء تلك المناطق، ومن الذي سيعمل على تغيير وتنمية البيئة التي تولد المشكلة ذات الاعراض المختلفة، والى متى ستستمر سياسة تنمية التخلف، ولقد اصبح الانسان مقهوراً متوتراً نفسياً ويعيش بقلق دائم واصبحت هناك خصائص نفسية للتخلف، واضطراب في منهجية التفكير وخصائص انفعالية تظهر في الجانب السلوكي واللفظي فهو يعتبر ان لا احد يحس بوجوده وما يعانيه من صعوبات في المعيشة والعمل وهذا هو الم المقهور، ويعتبر ان الحكومات سادية في التعامل معه وفي رفضها تحقيق احتياجاته المعيشية فهو يلجأ الى الاساليب الدفاعية لتحقيق التوازن الداخلي لذلك يلجأ الى الجماعة والاحتماء بها ويصبح اتكالياً يبحث عن الجهة او الشخص الذي يتبناه ويحميه.
والمقهور كما نعلم يفقد هويته كونه يقلل من شأن ذاته في اثبات موجوديته والاحساس بالعجز وقلة الحيلة، فيصبح لديه عنف مقنع بارتكاب مختلف اشكال الانحرافات من بلطجة وخاوات ونهب وسلب وغيره، والخروج على القانون بسبب التوتر الوجودي والعلاقة الاضطهادية مع الجهات المعنية حيث يصبح في حالة تعبئة نفسية مستعدة دائماً للعدوانية، لذلك عندما يتم الطرح للحوار مع ابناء تلك المناطق من قبل ممثلي الجهات المعنية يجب ان يستهل الحديث بطرح المشاريع التنموية والخدماتية، وحلول لمشكلة الفقر والبطالة من مرحلة التدريب والتأهيل الى مرحلة التشغيل، وما شخصية الانسان المتخلف إلا نتاج المجتمع المتخلف، وما شخصية الانسان المتعلم والمثقف إلا نتاج المجتمع المتحضر، لذلك يجب ان تحظى تلك المناطق والمجتمعات باهتمام وحضور دائم وتفعيل دور المنظمات غير الحكومية لاداء دورها الايجابي في المجتمعات من برامج وانشطة وتوعية وارشاد ودعم المشاريع الصغيرة والمتوسطة وكل ما من شأنه تحقيق التنمية.

التعليق