علاء الدين أبو زينة

15 عاما دموية منذ غزو العراق..!

تم نشره في الخميس 22 آذار / مارس 2018. 12:07 صباحاً

خمسة عشر عاماً مرت هذا الأسبوع على بدء غزو التحالف الدولي بقيادة الولايات المتحدة للعراق الشقيق. ولا بُد أن يكون الجميع قد تخلصوا من أي أوهام خالطت البعض بأن حرية العراقيين ستأتي على ظهر دبابة أميركية. وكما تبيّن –وبما لم يخالِف توقعات كل صاحب بصر- لم يعرف العراقيون والمنطقة وقتاً أسوأ من هذه السنوات وجورها على الأرواح والحريّات.
كان الوليد القبيح الأبرز للغزو الأميركي هو تنظيم القاعدة في العراق، وخلفه "داعش" وما جرَاه على المنطقة والعالم من ويلات الإرهاب. وربما لم يخطر ببال أهالي ضحايا الإرهاب السابقين واللاحقين، من لندن إلى باريس وإسطنبول وأي مدينة في العالم، أن مصارع أحبّائهم بهذه الطريقة المؤلمة تقررت يوم حطّ أول جندي أميركي قدمه على تراب العراق.
لم تعرِف بلادنا ومجتمعاتنا قبل غزو العراق هذا الظهور الصفيق والدموي للطائفية والعرقية وصراع الأديان والعنف. ولم يكن أحدٌ يتصوّر قبل سقوط العراق ما ذهبت إليه الوجهات من عبث، سواء بالصراع الداخل-إسلامي، السني الشيعي، أو الارتماء العربي الرسمي العلني في أحضان العدو الطبيعي والأساسي للأمة العربية، الكيان الصهيوني.
في العراق، تقدر بعض الجهات ضحايا الغزو المباشرين وغير المباشرين بنحو مليون إنسان. وبالإضافة إلى القتلى، شرد الغزو نحو 5 ملايين عراقي بين نازح داخلي ولاجئ في المنافي. كما تعرضت الكرامة الفردية والجمعية العراقية لأسوأ أنواع الإهانة والإذلال على يد الجلاوزة الساديين في السجون التي أقامها الأميركيون للعراقيين في بلدهم، واستباحوا منهم كل عزيز وأثير. ولن ينسى العرب والعالم المشاهد الوحشية لتعذيب المعتقلين في أبو غريب، تحت يافطة الديمقراطية وحقوق الإنسان. وبالإضافة إلى ذلك، تم بطريقة غاية في الوحشية تدمير مدن العراق ونسيجه الاجتماعي وبناه التحتية المادية والمعنوية بطريقة يصعب إصلاحها، وما يزال البلد عرضة للتقسيم بعد المعركة الدموية للتخلص من احتلال "داعش" سليل الاحتلال. وسوف تعاني أجيال من العراقيين من العواقب لأجيال قادمة.
وفي المنطقة، شكل غزو العراق سابقة للتدخلات العسكرية الغربية في المنطقة، التي توالت بعد ذلك على تدمير مقدّرات بلداننا وإرجاعها عقوداً إلى الوراء. وعادت خبرة استعمارات القرن التاسع عشر وبداية العشرين بزخم جديد ليشاهد أبناء الأجيال الجديدة الجنود الغرباء وهم يستبيحون الشوارع والمدن العربية. وإذا ما أراد أحدٌ تعقُّب أصول معظم الانتكاسات التي تشهدها البشرية اليوم على مستوى الكوكب -من صعود الشعبوية، إلى نزعات كراهية الإسلام، والأجانب، والمهاجرين، وتعدد الثقافات، إلى عودة دول الرقابة والبوليس، وأزماتنا الجمعية الشخصية- فإنه لن يجد صعوبة في تعقبها إلى احتلال العراق.
بالنسبة لنا نحن العرب، شكّل غزو العراق المنعطف الأكثر مأسوية منذ الهزائم أمام الكيان الصهيوني في 1948 و1967. بل إن العرب حاولوا التعافي بعد تلك الهزائم الأولى واستنبطوا أشكالاً من المقاومة والتفاؤل والحلم. لكن الروح العربية انكسرت بحدة بعد غزو العراق ولم تتعافَ بعد ذلك حتى اليوم. وبدلاً من اشتباك الجسم العربي مع نقيضه الفعلي والتحامل على نفسه للحفاظ على فرصته في الاشتباك، كشف الهمود بعد العراق عن كلِّ علة كامنة في هذا الجسد الذي أخذ يأكل نفسه.
من أعراض الحمى والهلوسة العربية التي أحدثها مرض مأساة العراق، نزعة القبول غير المنطقية بتدخل القوى الخارجية عسكرياً في المنطقة، بل الدعوة إليها وتبريرها في كثير من الأحيان. ويبدو أن الكثيرين لم يتعلموا أن إسقاط النظام على علاته في العراق بطريقة هذه القوى الغادرة لم يجلب خيراً للعراق والعراقيين، وما يزال البعض يدافعون عن تكرار الكارثة في أقطار عربية أخرى. وليس من المفهوم ما الذي يحتاجه هؤلاء ليتعلموا الدرس الذي كرره التاريخ دائما بقسوة.
ليس من الواضح بعد متى وكيف تشرع آثار غزو العراق في التراجع. لكنَّ من المهم الشروع في إدراك أن "الاستقرار" و"الأمن" و"الحرية" و"الديمقراطية" التي تتصورها أميركا لإقليمنا إنما هي مرادفات الفوضى والخوف والقيود والاستبداد. وهو ما يحيل إلى حقيقة أن أي حل آمل للمنطقة لا يمكن أن يأتي إلا من داخل المنطقة والإقليم، وبأيدي مواطنيه وبلا "نجدة" من أحد.

التعليق