التعليم حق لا منّة

تم نشره في الأربعاء 28 آذار / مارس 2018. 12:00 صباحاً

منال أحمد كشت

اصطحبت أطفالي الاسبوع الفائت الى "كينغز أكاديمي"، ذلك الصرح التعليمي الاردني بمواصفات عالمية والذي نفتخر به كل الفخر، وشعرنا بالانبهار في تلك الاجواء التي تحفز الابداع والتفوق. ورغم ذلك شعرت بغصة وانا افكر في كل هؤلاء الطلبة الذين لم يسعفهم الحظ والذين يشعرون بالبرد والحر في مدارس تفتقر الى أدنى متطلبات التعليم الكريم.
في فنلندا تقدم الحكومة لكل عائلة عند ولادة طفل صندوقا مليئا بالملابس والأغطية والالعاب والحفاظات ضمن أشياء اخرى أساسية حتى انه يمكن استخدام الصندوق كمهد للطفل لانه يشمل على الفرشة أيضا وذلك لضمان حصول الاطفال بلا استثناء على بداية متساوية ولتعزيز مفهوم المساواة بين جميع الاطفال؛ فالأطفال متساوون في الحقوق والواجبات ويشمل ذلك حصول كل فرد منهم على تعليم عالي الجودة بشكل يضمن تكافؤ الفرص لاحقا.
لقد اكتسب الحق في المساواة في التعليم مكانة خاصة ضمن المواثيق والمعاهدات الدولية، حيث تم تضمينه في الهدف الثالث من الأهداف التنموية للألفية الثالثة تحت بند 'تحقيق المساواة في مراحل التعليم الابتدائي والثانوي بحلول عام 2005 وعلى كل مستويات التعليم بحلول 20١5، كما تم التأكيد على ذلك في الإعلان العالمي لحقوق الانسان والذي ينص على حق كل فرد في التعليم المجاني الجيد. وفِي الوقت الذي صادقت فيه الحكومة على هذه الاتفاقيات،  وطالبت مؤسسات المجتمع المدني بحق الجميع في الحصول على تعليم متكافئ بهدف تعزيز وتعميق مفهوم المساواة والعدالة الاجتماعية، الا ان الواقع المجتمعي يخالف تماماً كل ما سبق ذكره من النصوص النظرية.
ان وجود مستويات عميقة التباين في جودة التعليم يؤدي الى عدم تكافؤ الفرص والتفاوت في اكتساب المهارات المجتمعية والعملية وتقليل فرص الحصول على فرص عمل لائقة بمداخيل مناسبة، مما يكرس المزيد من الفقر المتوارث ويرسخ اللامساواة والتمييز المجتمعي ضمن حلقة مفرغة ويعيد من انتاج نفس النظام الطبقي المجتمعي. إن الحديث عن العدالة في التعليم مرتبط بالبطالة حيث تحصل الطبقات الأكثر فقرا على تعليم رديء لا يكتسب الطالب من خلاله المهارات اللازمة لخوض سوق العمل مما يؤدي الى البطالة او إيجاده فرص عمل متواضعة ذات أجور زهيدة تكرس المزيد من الفقر الذي يتم توارثه ضمن حلقة مفرغة. في المقابل فان الجانب الاخر من التعليم الباهظ التكاليف يؤدي الى اكتساب الطلبة المهارات اللازمة لسوق العمل والحصول على وظائف مرموقة ومستوى اقتصادي عالي يتم توارثه أيضا ضمن حلقة من نفس الطبقة الاجتماعية.
وهنا لا بد من الإشارة الى الدور الذي تلعبه الدولة في تعزيز حالة اللامساوة والتمييز في مجال التعليم من خلل ثلاث نقاط أساسية:
1 - تراجع دور الدولة الاقتصادي والاجتماعي في قطاع التعليم، حيث تخاذلت الدولة بشكل واضح عن القيام بدورها الاقتصادي في تحقيق التنمية المستدامة وأوكلت الدور الاجتماعي لمؤسسات المجتمع المدني التي نادرا ما تتمتع بالحرية والصلاحية للتمكين واحداث التغيير الإيجابي المنشود.
2 - تجارة التعليم، حيث تحول التعليم الى سلعة كغيره من السلع مما أدى الى التضحية بمباديء المساواة وتكافؤ الفرص حيث لا يستطيع الحصول على السلعة الا من كان لديه الثمن، فتلاشت القيم التربويه واقتصر التعليم على الربح الذي رافقه تضخم في القطاع التعليمي الخاص وانتشار المدارس والجامعات الدولية التي تعزز الطبقية في التعليم.
3 -  اصحاب المصالح ورجال الاعمال، ساهموا في تعميق حالة اللامساواة وإعادة انتاج النظام الطبقي السائد من خلال شراكات المصالح، بهدف تكريس احتكار المناصب ورأس المال لصالح فئة محددة دون غيرها، بهدف التحكم والسيطرة من اجل اعادة انتاج النظام السياسي والاجتماعي ذاته من خلال السيطرة على مراكز التأثير والنفوذ.
ان تحقيق العدالة الاجتماعية في مجال التعليم ما زال واهناً، ويستوجب تهيئة البيئة المناسبة وتوفير نوعية التعليم الملائم وتأهيل المعلمين مما يساهم في تأسيس هؤلاء الطلبة  بما يضمن استمرار نجاحهم في مراحل لاحقة فالتعليم سلاح ذو حدين؛ فهو الأزمة التي تودي الى اللامساواة، وهو الحل الذي يؤسس للعدالة الاجتماعية وتكافؤ الفرص وبالتالي النهوض بالمجتمع.

التعليق