محمد أبو رمان

في متوالية الأزمات!

تم نشره في الثلاثاء 3 نيسان / أبريل 2018. 11:09 مـساءً

طاف المفكّر السياسي الأردني، عدنان أبو عودة، مطولاً، وغاص في العمق ليقدم إلى مئات المحتشدين من الأردنيين وجبة دسمة من المعلومات والتحليلات والأفكار، خلال محاضرته "الحسين في إدارة الأزمات" (التي نظّمها كرسي الملك الحسين في مركز الدراسات الاستراتيجية في الجامعة الأردنية، في مقرّ النادي الأرثذوكسي، ويفترض أن تُنشر قريباً، من خلال محاضرات المركز المطبوعة).
تناول أبو عودة في محاضرته 6 أزمات رئيسة مقدّماً ديناميكيات تطوّر الأزمات ومنهج الحسين في التعامل معها (بداية من أحداث أيلول 1970، وصولاً إلى حوادث ما بعد توقيع معاهدة السلام، مثل: قتل الجندي أحمد الدقامسة للطالبات الإسرائيليات، ومحاولة اغتيال خالد مشعل في عمان، مروراً بحرب الـ73، والسلام الإسرائيلي-الأميركي، هبة نيسان، واجتياح الكويت، ومحادثات السلام الأردنية-الإسرائيلية).
ربما بعض المعلومات والسرديات التي أتى عليها أبو عودة معروفة لدى نسبة كبيرة من الحضور (مع إضافة تفصيلات مهمة، قد تكون جديدة بالكلية، بخاصة عن شخصية الحسين والبعد القومي والإسلامي والتاريخي المسكون فيها). لكن الأهم -من وجهة نظري- ليس الجانب السردي -على أهميته- بل منهجية فهم تطوّر التاريخ السياسي الأردني وعوامل ومحددات صنع القرار والبيئة المحيطة بالسياسات الأردنية، داخلياً وخارجياً، وهي التي أحسن أبو عودة -بقدرة استثنائية- وضع المستمعين فيها، ليقول لهم إنّ فهم السياسات الأردنية يتطلب فهم الظروف والسياقات والمحددات، وهي الطريقة التي من المفترض أن يكتب فيها التاريخ، والمنهجية التي من المفترض أن يدرسها أبناؤنا في الجامعات والمدارس، كي يفهموا مدخلات ومخرجات السياسات الأردنية.
المشكلة تقع -هنا- تحديداً، وتتمثّل في أنّ فهم كثير من السياسيين والمواطنين، بل وأغلب ما كُتب في التاريخ السياسي الأردني، هو مقطّع السياقات، بلا منهجية تحليلية واضحة. لذلك لم نستطع أن نبني فهماً دقيقاً عميقاً للسياسات والسياسة الأردنية، وبقيت هنالك فجوة دائمة بين عملية صنع القرار وبين الإدراك العام الوطني والسياسي لمحددات السياسة الأردنية وديناميكياتها.
أبو عودة هو من القلّة المحدودة، التي تمتلك المهارة والمعرفة والقدرة على التحليل وربط الأحداث ببعضها، والتفكير والكتابة، وذلك ما ظهر في محاضرته (أول من أمس). بالإضافة -هو الأكثر أهمية- إلى أنّه تحرّر من القيود الكثيرة في التحليل والتفكير، وتحلّى بجرأة التحليق في ربط الأحداث وتفكيكها وقول ما لا يودّ سماعه كثيرون، أو يخشون الاقتراب منه، وتحديداً عندما يأتي على القضايا الداخلية الحسّاسة، فيكون واضحاً موضوعياً صريحاً، وهكذا من المفترض أن يكون المفكر والمحلل، لا كما تفعل أغلبية الطبقة السياسية باعتماد منطقة المواربة واللف والدوران والاختباء خلف جملة منقوصة ومواقف ملتبسة!
أحد أهم المعطيات التي أشار إليها أبو عودة، يتمثّل في مدى أهمية العلاقات الأردنية-الفلسطينية، من جهة، والقضية الفلسطينية، من جهةٍ ثانية، والمشروع الإسرائيلي، من جهةٍ ثالثة، في فهم أغلب السياسات الأردنية الخارجية والداخلية ومواقف الملك الحسين، فأغلب الأزمات السابقة المذكورة دخلت هذه العوامل الثلاثة فيها وكانت جزءاً مهماً من منهجية تفكير الحسين.
هنالك الكثير من المتغيرات -التي أكّدها أبو عودة- تحتاج إلى دراسة وتحليل، لكن أبرزها إدراك الحسين بأنّ الأردن هو جزء من المخطط الصهيوني، وعلى هذا الأساس حاول صوغ المعادلة مع القضية الفلسطينية، وحتى مع منظمة التحرير الفلسطينية، لكن في الوقت الذي كان ينظر الحسين فيه إلى تلك القوى بوصفها شريكاً، كانوا ينظرون إليه بوصفه منافساً أو خصماً، فالحسين كان يدرك أهمية البعدين الفلسطيني والإسرائيلي في أهمية الأمن الوطني الأردني.

التعليق