جهاد المنسي

مسرح البلد

تم نشره في الثلاثاء 3 نيسان / أبريل 2018. 11:03 مـساءً

يقودنا خبر صدور قرار قضائي يقضي بإخلاء مسرح البلد الذي تربع في وسط المنطقة المطلة على وسط عمان من ناحية جبل عمان وشارع الرينبو، للحديث أكثر وبتوسع عن دعم الفن والثقافة والإبداع بشكل عام، والمسرح بشكل خاص، وضرورة ربط وسط البلد بأفكار فنية وثقافية وإبداعية، تعبر عن واقع المكان وتاريخه وإرثه الحضاري، ومدى ضرورة أن يجد قعر المدينة دوما رعاية المسؤولين والمعنيين.
فوسط البلد في عاصمتنا الحبيبة عمّان التي نعشقها حد الوجع، يجب أن يحمل في ثناياه عبق تاريخ العاصمة بحيث يحاكي تاريخها البعيد وحاضرها الحالي مرورا بالعصور التي مرت على العاصمة وما شهدته من أحداث.
لست هنا بصدد مناقشة قرار قضائي، وإنما لطرح ضرورة الحفاظ على وسط البلد ورعايته، وأن نحفظ له مكانته الأثرية والإبداعية الجمالية، وأن نعمل جاهدين لكي يبقى المسرح وسط البلد سواء في المكان ذاته الذي كان فيه أو في مكان آخر.
عمّان التي تتربع القلعة فوق سفحها الشمالي الشرقي في إطلالة ساحرة على مسرح تاريخي نادر وسبيل حوريات كشاهد تاريخي قائم منذ القرن الثاني الميلادي، تستحق أن نرعى تاريخها وألا نترك أحجار الباطون والإسمنت تغزو وسطها، ونحافظ على ما تبقى من عناوين جمالية فيها تحكي لنا حكاية هذا التاريخ الغابر، وتلك الشواهد الحاضرة بيننا والتي طالما كانت سببا في إلهام الشعراء والكتاب والمبدعين والمسرحيين والسينمائيين والصحفيين وغيرهم من عشاق الثقافة والأدب.
نعم، بكل تأكيد وقوة، من حق عمان علينا أن نحمي تاريخها، فهي من العواصم القلائل في المنطقة التي تحتفظ بتاريخ يعود لسبعة آلاف سنة مضت، بالإضافة الى دمشق والقدس وأثينا وأنقرة وبيروت، التي تحتفظ بتاريخ يفوق العشرة آلاف سنة ويزيد، ومن يريد مراعاة التاريخ عليه أن يترك مساحات في وسط البلد الذي يحكي قصة هذا التاريخ ليكون منارة إبداع ينهل منها المبدع، ونمنحه فسحة لربط الماضي بالحاضر بالشكل الذي يريد.
عمان هدية لنا نحن الأردنيين بشكل عام، ولأهلها العمانيين بشكل خاص، والذين عليهم التمسك بالإرث الحضاري والمدني لهذه المدينة العريقة والعتيقة، وألا يسمحوا لإرث الصحراء وثقافتها التي حضرت إلينا من وسط كثبان رملية تتحكم بحضارات المدن ومساراتها وأحلامها وتقاسيمها.
لندع الفرح يبقى وسط البلد، ولنجعل وسط عماننا يعج بالحياة والثقافة، دعونا نعمق ثقافة مسرح الشارع، والدرج، دعونا نرَ موسيقيين يعزفون ألحانهم وسط البلد وهم يجلسون حيث ملتقى سبيل الحوريات بالمدرج الروماني، دعونا نحافظ على أبي الفنون باقيا وسط البلد ليكون شاهدا آنيا على تاريخ سابق يعبر عنه مسرح روماني قديم يربض وسط عماننا يتسع لأكثر من 4 آلاف شخص ويزيد، كانوا يحضرون عروضا مسرحية وإبداعية وثقافية، دعونا نرَ لوحات ترسم على قارعة الطريق وأن تتجه حيث "كشك أبو علي" لنطالع ما جاد به من كتب قيمة.
دعوا وسط البلد لنا كي يكون ملتقى للفرح والحب والإبداع، دعونا نلون مدرجات وسط البلد بالشكل الذي نريد من دون أن يخرج علينا أصحاب أجندات تكفيرية سلفية لتكفير هذا الشخص ومنح صكوك غفران لآخر.
نعم، نريد أن يكون وسط عماننا ينبض بالحياة، وأن تنبض كل جوانب هذا الوسط بعبق تاريخ لا يندثر مع السنين، وأن نحافظ سويا على إرث تتغنى فيه المدن صاحبة التاريخ العريق كعمان، فأثينا ما يزال وسطها يعج بالفرح والحياة والناس،  كذا بيروت ودمشق، وعمان لا تقل شأنا عنها، ونحن نريد أن تبقى الحياة تدب وسط البلد وأن نراعي الفنون ونحميها من تدخل أولئك المنغلقين الذين طالما قاوموا الفن والفنانين وحاربوا المبدعين والإبداع، وكفروا المفكرين والكتاب.

التعليق