إبراهيم غرايبة

مقدسات ومحرمات: أنثروبولوجيا الدين

تم نشره في الجمعة 6 نيسان / أبريل 2018. 11:08 مـساءً

ربما تساعدنا الدراسة الأنثروبولوجية (علم الإنسان الاجتماعي وعلم الإنسان الثقافي) للدين، على معرفة كيف نفكر وكيف تتشكل القيم والأفكار، وفي ذلك يمكن السيطرة على المعتقدات الزائفة، ومواجهة التنميط في الأفكار والمعتقدات، بل ونعيد فهم التاريخ الإنساني وكيف صارت مصالح أساساً لمعتقدات راسخة تشكل الناس في صراعات مديدة. وكيف تحولت مصالحنا ومخاوفنا إلى فلسفة وعقائد متماسكة نحارب الآخرين لأجلها.
يقدم مارفن هاريس في كتاب "مقدسات ومحرمات وحروب" تفسيراً عقلانياً للسلوك والمعتقدات الدينية، بالنظر إليها محاولات لحماية الموارد وتنظيمها بإيجابية، وتحويل الأعمال والأفكار المفيدة إلى مقدسات دينية، أو في عبارة أخرى مواجهة الإغواء الذي يضر المنظومة الاقتصادية والاجتماعية بالتحريم الإلهي، وتوظيف المحرمات والمقدسات في وظائف اجتماعية واقتصادية، وبالطبع فإنه منهج قديم في الفهم العملي والعقلاني للدين سواء من جانب اللاهوتيين أنفسهم أو علماء الاجتماع والأنثروبولوجيا.
وعلى سبيل المثال، فإن تحريم ذبح الأبقار في الهندوسية وتحريم لحوم الخنزير في اليهودية والإسلام يعكسان نظاماً اقتصادياً وبيئياً ملائماً، فالحفاظ على حياة الأبقار يتضمن فوائد اقتصادية كثيرة تفوق ذبحها حتى لو كان في ذلك تضحيات وخسائر كما يبدو، ذلك أن البقرة تلد أبقاراً، ويشكل الثور عمدة الحياة الزراعية في الهند للجر والحراثة، ومن دونه فإن المزارع يفلس، وتقدم البقرة الحليب للطعام، كما أن روثها مصدر للسماد والطاقة الضرورية للطهو والبناء، وعندما تموت فإن فئات اجتماعية تأكل جثتها وتستفيد من جلودها. كما أن البقرة تتغذى أساساً على مواد لا يحتاج إليها الإنسان، مثل القش والأعشاب، وعلى أي حال فإنه لا يتوقع أن يستطيع أكثر من عشرة في المائة من الهنود أن يجعلوا من لحم البقر جزءاً من نظامهم الغذائي سواء كانوا يؤمنون بذبحها أم لا.
وفي القرن الثاني عشر الميلادي، ردّ الرابي والفيلسوف والطبيب، موسى بن ميمون، تحريم الخنزير، إلى أن لحمه يضر بالصحة، وفي ذلك فإن ابن ميمون فتح المجال مبكراً للبحث عن تفسير طبيعي واقعي للتحريم، وإن قدم في ذلك رؤية طبية خاطئة.
يجد هاريس تفسير التحريم في فهم العمليات الأساسية التي يتمكن البشر والحيوانات بواسطتها من التعايش في جماعات طبيعية وثقافية قابلة للحياة، يقول: أعتقد أن التوراة والقرآن حرما الخنزير لأن تربيته تشكل خطراً على سلامة المنظومات البيئية الأساسية للشرق الأوسط، فالخنازير في بيئة الشرق الأوسط تهدد البيئة أكثر مما هي استثمار، ففي هذه البيئة الجافة قليلة المطر تشكل المواشي المجترة مجالاً أفضل للتقاسم الغذائي والتكيف البيئي، ويعد الخنزير كائن أحراج وضفاف أنهار مظللة في المقام الأول، ومعظم غذائه يأتي من الغذاء منخفض السيليلوز كالحبوب والثمار والدرنيات؛ ما يجعله المنافس المباشر للإنسان، فهو لا يستطيع أن يعيش على العشب وحده، كما أنه ليس مصدراً للحليب، ولا يمكنه الانتظام في قطيع. والخنزير سيئ التكيف مع البيئات الحارة والجافة، فقدرة الخنزير على التعرق تساوي 3 في المائة من قدرة الإنسان ما يجعله يتعرض للموت إذا ارتفعت حرارة الجو أكثر من 30 درجة مئوية. ولتلافي ذلك يحاول ترطيب جلده بمرطب خارجي كالتمرغ في الوحل الرطب. وتزيد قذارة الخنازير بسبب ارتفاع الحرارة لكنه يسلك سلوكاً نظيفاً إذا انخفضت الحرارة عن 28 درجة.
والحال أن الناس دولاً ومجتمعات وأفراداً، يتصرفون، كما تقول كاثلين تايلور، معتقدين أنهم على صواب، ولديهم أسباب جيدة لتفسير رؤيتهم، وتحيط باختياراتهم الرغبات العاجلة والمباشرة، والضغوط الناشئة عن الموقف، ثم في تكرار الأفعال التي نحسبها صواباً نتحوّل إلى لا مبالين بأفكار الناس ومواقفهم ومعاناتهم، فلا نعود نرى إلا ذواتنا.

التعليق
› ان الاّراء المذكورة هنا تعبر عن وجهة نظر أصحابها ولاتعبر بالضرورة عن اراء جريدة الغد.
  • »نعم ولكن (عصام)

    السبت 7 نيسان / أبريل 2018.
    مقال تحليلي لكنه ينطبق على المفهوم العام للدين أيضاً، بما فيه العلمانية. ويبقى السؤال الذي لم يجب عليه المقال: كيف نصل الى المعرفة الموضوعية في ضوء النسبية الثقافية والظروف المتباينة؟
  • »هل هذا المقال: " لعبه فكريه"...؟ (" محمد مشهور" شمس الدين)

    السبت 7 نيسان / أبريل 2018.
    هل سنناقش " المحرمات : الخنزير، الميتة ، الدم..." مثلا ، من وجهة نظر فلسفيه طبيعيه ، مع انه "تشريع من الخالق عزّ وجل "...اليس ذلك " تلاعب بالمسلمات العقائديه الاسلاميه مثلا؟
  • »بدأ تحريم البقر لدى الهنود وتحريم الخنزير لدى اليهود قبل آلاف السنين أي قبل كل النظريات الاقتصادية اللاحقة (تيسير خرما)

    السبت 7 نيسان / أبريل 2018.
    لقد بدأ تحريم البقر لدى الهنود وتحريم الخنزير لدى اليهود قبل آلاف السنين أي قبل كل النظريات الاقتصادية اللاحقة ولو قبلنا بنظرية الكاتب سنستنتج أنه لو لم يحرم الهنود أكل لحوم البقر لما تكاثر عددهم إلى مليار وربع المليار حالياً ولكان وضعهم حالياً مثل أمريكا عدداً واقتصاداً، وأيضاً بناء على نظرية الكاتب سنستنتج أنه لو حرم الصينيون أكل لحم الخنزير لما تكاثر عددهم إلى مليار ثلث المليار حالياً، إذن لو التزم الطرفان بتعليمات خالق الكون والكائنات والإنسان لكان أفضل لهما وللعالم