خريطة وطنية

تم نشره في الثلاثاء 10 نيسان / أبريل 2018. 11:00 مـساءً

المهندس هاشم نايل المجالي

الأديان، وفي مقدمتها الدين الإسلامي، ركزت على تربية الفرد وعلى التعاون الجماعي، ومن هنا تنوعت النظم المجتمعية وعلى رأسها النظام الاجتماعي والاقتصادي والسياسي، والفكر الاجتماعي بين منظومة شبكة العلاقات الاجتماعية التي تربط بين عناصر المجتمع من حيث الأشخاص وتقاربهم وبين الأفكار ومدى تطورها؛ حيث يظهر المجتمع في مستوى تخلفه أو تقدمه، وبتماسك قوى المجتمع يتحصن من الآفات المتعددة التي تفككه وتعرضه للخطر والتمزق والانهيار ويصبح المجتمع مريضاً، فالمجتمع كالجسم يولد ويكبر ويهرم ويموت أو يحافظ على عنفوانه وقوته.
فكثير من المجتمعات تلاشت ومنها ما ظهر بصورة مجتمع جديد أو اندمج مع مجتمع آخر أقوى منه وأكثر منه تقدماً وتحضراً، والمجتمع السليم هو المجتمع الذي قلت أمراضه وقويت فيه عناصر وعوامل النمو والتطور والعطاء والإنتاجية والتكافل والتضامن، وهذا يتطلب أشخاصاً أصحاب فكر ووعي وإدراك لكل المتغيرات، وآلية معالجة الأزمات ودراسة قضايا ومشاكل المجتمع المتعددة، ويرصدون ظاهرة ويحللون ويقترحون العلاج المناسب لها، وذلك لحماية مجتمعهم مما يتعرض له من أزمات أو مخاطر.
ففي كل جيل هناك مصلحون ومفكرون قادرون على معالجة أمراض المجتمع أو ما يهدد كيانه، تبعاً للمناخ الاجتماعي وتفاعله وتعاطفه مع القضايا المختلفة، وتبعاً لاختصاص المصلحين، فهناك من ركز على القضايا المعيشية وآخرون ركزوا على قضايا المرأة وحقوقها، وآخرون على قضايا ذوي الاحتياجات الخاصة وآخرون اهتموا بالتمدن والتحضر والعمران، وآخرون اهتموا بالإصلاح الاجتماعي والمحافظة على الأسر من التفكك، وهكذا فيجب أن تكون هناك ثوابت راسخة وقواعد متينة تراعي المستجدات وتواجه الأزمات، خاصة في ظل تشرذم وتمزق بعض المجتمعات نتيجة خضوعه لمؤثرات خارجية وتنظيمات منحرفة جعلت العنف عنواناً لها خاصة لما يتأثر به الشباب نتيجة الانفتاح التكنولوجي، فأثرت على الضوابط والسلوكيات القيمية والأخلاقية وتشعب الرؤى وشرودها عن جادة المنهج الوطني، علماً أن هناك العديد من المستجدات والمتغيرات، فهناك دور للعقل والحرية المنضبطة والإرادة الإنسانية، ولا يجوز بأي شكل من الأشكال طمس العقلانية ولا الحقائق طالما حاول الكثير من المتنفعين طمسها.
وهناك مجتمعات عربية ذاقت مرارة الفتنة وحجبت الندى المتساقط على الورود والأزهار، فسالت من كثرة القتل عيون البلابل والأطيار، فمن يزيل عن أبناء تلك المجتمعات غشاوة الظلال الفانية، أهي القوى الغربية أم التنظيمات الإرهابية، بقوتها وجبروتها، أم تؤمن بنور الصالحين المصلحين الوطنيين، فهناك نهج مجتمعي وهناك نهج سياسي واقتصادي، ويجب معالجة الأمور بكل عقلانية بدون رعونات شخصية تريد أن تحقق مآرب ذاتية، فالفرقة بين أبناء المجتمع الواحد والجسد الوطني وأعمال العنف والشغب والإرهاب، كلها أمور مخالفة لجوهر الحس الوطني والغيرة على أمن واستقرار الوطن، وهذه فتنة لأنها تعطي المبررات لغير أبناء الوطن للتدخل في شؤون بلادنا، ولماذا لا تكون الدعوة الى مؤتمر وطني يشارك فيه ممثلو أبناء المجتمع من المحافظات كافة له عناوين رئيسية موحدة أهمها المحافظة على أمن واستقرار الوطن ووحدة النسيج المجتمعي، وصون كرامة المواطن وتقييم الأداء والعطاء وتحقيق العدالة الاجتماعية وآلية تنمية المجتمعات المحلية لمحاربة الفقر والبطالة وغيرها الكثير من العناوين الرئيسية التي تحقق الرؤى الإصلاحية وتكف التغول على جيب المواطنين كحل للأزمات المالية.
والمجتمع الأردني مجتمع تراحمي تعاطفي تقوم علاقاته على التراحم والتعاطف والتعاون بين أفراده، وعلى النقيض من المجتمع التعاقدي الذي تقوم العلاقات به على أساس التعاقد والمصالح والخدمات والمواقف مقابل المال.
فالإنسانية وما تواجهها من أزمات ومشاكل ومعضلات متساوية بالنسبة للجميع، وتدخل في علاقة تراحمية تتجاوز كل الاعتبارات، فالضيم والظلم الذي يقع على أحد أينما كان كأنه وقع على الجميع، فالإنسان قيمة ومكانة واحترام وكرامة والمسافات قصيرة بينهما والإنسان لا يمكن اختزاله في محور واحد، فهو كما يحتاج للطعام والعمل والعيش الكريم فهو يحتاج الى الثقافة والقيم الأخلاقية والسلوكيات السوية وغيرها، فكلاهما مكمل للآخر ولهما أبعاد وحسابات للبعد الإنساني ليتجاوز القصور في ذلك والجميع متفقون على العديد من التساؤلات أهمها الى أين المطاف.
سؤال يطرحه العقل البشري يحاول أن يفسر ليحفظ وجوده حتى يستمر في الإنتاج وحتى لا يتوقف ويصاب بالذهول واليأس والإحباط والإحساس بالعدمية مثلما كثرت ظاهرة الانتحار أو السرقة والجريمة وغيرها.
فلا بد من وجود خريطة وطنية إدراكية تفسر الوقائع يراها المواطن من زاويته، والحكومة تراها من زاوية أخرى تفضلها على المواطن وتفرضها عليه حتى ولو بالقوة لكل من يعترض ويحتج، وهكذا والبنك الدولي وغيره لا يستوعب ذلك والمواطن لن يستجيب للمؤثرات الخارجية وإنما لطريقة إدراكه بما فرض عليه من قرارات ورفع للأسعار على حساب قوته ولقمة عيشه، فهو يعمل على صيانة ذاته ضمن هذه المتغيرات، لكن أمن واستقرار الوطن في ظل قيادته الهاشمية الحكيمة، هي العنوان الرئيسي والشعار الذي لا يمس والكل يجمع عليه ولا أحد يتجاهله، فمهما كانت الصعوبات المالية، فهناك الأخلاق التي تغلب عليها، والكل سيسعى لإيجاد الحلول والمخارج للأزمات حتى لا يفقد الإنسان وجوده في وطنه.

التعليق