موفق ملكاوي

لي صديق طيب

تم نشره في الخميس 12 نيسان / أبريل 2018. 11:06 مـساءً

من أسوأ ما قد يحدث لك، هو أن يتغير عليك صديق. تشعر أن جزءا مهما من حياتك تغير، أو انقلب على عقبيه.
ولكن ماذا إن لم يكن هذا بيده؟
لي صديق طيب. ما يزال طيبا، غير أنه اختلف كثيرا. نسي عقدين من الصداقة، واستسلم لهبات من الذاكرة تأتي وتروح من دون أن يكون له يد في ذلك!
لي صديق طيب ما يزال يميز بين الشعر الجميل وبين ما يُكتب من رداءات عديدة يمتلئ بها الفضاء الحقيقي والافتراضي، ويكتب مسترشدا بنبضه الصادق عن أمنيات لا يمكن أن تكون لمزيفين.
ما يزال يسرد حكايات "ميشع"، وكيف أنه نفض يده من أيدي الأعداء لكي يكون الوطن جميلا كصرخة طفل أولى حين يعبّ أول نفس له على الأرض، ويبدأ بالتعرف على أبجديات الحياة والحب والكرامة.
لي صديق جميل، ما يزال يصعد "مؤتة" غير هيّاب لكل ما قد يعترض طريقه من حب يراه الآخرون مفاصل عجز، ويراه هو قوة أخرى تنضاف إلى خبرته التي لا يمكن أن تتوقف عند حد، فيمضي وليس في خلده سوى أن العبور نصف النتيجة، والمشي بعض من الإنجاز، واللقاء ترانيم عن أمل باللقاء الذي لا بد أن يكون.
لي صديق، لم يعد مثلما كان حين التقينا، ولكنه ما يزال يقبل النقد في القصيدة، ويقبل الحب في المدح، ويقبل السير في المنطق الذي جمعنا يوما على ناصية الشعر والكتابة والكآبة.
ما يزال يعلم أطفاله أن إسرائيل خرافة، وأن "البعث" حقيقة ساطعة وإن افترقت به طرق العارفين. ويكتب من غير سهو بأن أمة غرقت في الابتلاء ستنهض من غير سوء حين يكون أبناؤها جاهزين لردم الهوات الكثيرة التي أحدثها الجهل والتخلف، وعندها سوف يكونون قادرين على الالتحاق بالحضارة.
لي صديق، جميل حد أنني اعتبرته خرافة ذات تفكير، وصادق، للدرجة التي وضعت فيها يدي على قلبي خشية فقدانه. يعيد البوصلة إلى اتجاهها، ويسرد تاريخي الشخصي حين يتحدث عن نفسه.
لكنه لم يعد كما خبرته. ما يزال ينطلق من المبادئ نفسها التي خرجت معه ذات زمن بعيد من قريته الجنوبية. لكنه ينسى كثيرا. وثمة مفاصل عديدة لا يتذكرها من علاقتنا الممتدة في عاصمة الجبال السبعة.
كنت أستحضره دائما في البال حين يقسو الزمن، وأرفعه مثالا عاليا لا بد من الوصول إليه.
ينسى.. هل ثمة ذنب في النسيان!!!
هو صديقي الذي ما أزال أراه كما أول يوم التقينا، هناك في بيت بسيط في أبو نصير، وهو يعد "القلاية" احتفاء بي.
هو صديقي، وسحقا للذاكرة التي تخوننا من غير أي استئذان.

التعليق