خطباء بلا تأثير!

تم نشره في الأربعاء 18 نيسان / أبريل 2018. 11:00 مـساءً

د. خالد عطية السعودي*

الموضوعات التي تطرحها وزارة الأوقاف للناس موضوعات منتقاة من المعرفة وتحديدًا من جوف التراث، لا كما هي حاجة الناس الحقيقية في وسط اجتماعي ملتهب بالقضايا الساخنة! وربما هذا الذي يصنع جبلًا كبيرًا يقع بين واديين، وادٍ ينام فيه الناس ملء جفونهم، ووادٍ آخر يسهر فيه الخطيب وحده ويختصم وحده!
تبدأ حالة النعاس في الوادي الجماهيري عند رفع الأذان الثاني عقب صعود الإمام على المنبر، ويغط الناس في نوم عميق عندما يتحدث الخطيب عن الدين ولا يتحدث في الدين! وعندما يتحدث عن سلسلة الأزمات الاقتصادية والسياسية والاجتماعية ويعزوها إلى ثلاث كلمات البعد عن الدين، ثُمَّ لا يفتأ يقدم حلًا سحريًا لكل المصائب والقضايا والتحديات، في ثلاث كلمات أيضًا: الرجوع إلى الدين!  انَّ هذا الخطاب التقليدي يؤسس لعلاقة بين الخطيب والناس، يكون فيها الشيخ صاحب سلطة حادة في المزايدات الدينية والمتلقي مواطنًا يرقب تصنيفه على سلم القيم! بل إنّ هذا الواقع الذي يرفع فيه الخطباء رؤوس أصواتهم في سماء الخيال، ويغرس فيه الناس أرجل ظروفهم في أرض الواقع! هو الذي يوقف رسالة المسجد النهضوية، التنويرية، العقلانية! وهو الذي جعل المحتوى الديني قولًا لا فعلًا..!
سؤال الانتماء للإسلام هو السؤال الأكثر إلحاحًا اليوم من أي وقت مضى، والإجابة عنه هي الحلقة المفقودة في الجهد الصوتي الاستثنائي الذي يطغى على خطبة الجمعة! وهذا يضعنا أمام الكثير من الاختلالات التي يعاني منها المتلقي في المسجد أو خارج المسجد، ليس أقلها " اللفظية " وما يُرافقها من ضخ لغوي "صف كلام" أو شحن عاطفي وإطناب في البيان والتبيين، ليبدو الخطاب الديني " شريط أخبار سريعا في أسفل الشاشة" يمثّل جملًا جاهزة، وعبارات أقرب إلى البلاغة القاعدية منها إلى الدين..!
لم تستثمر المؤسسة الدينية الرسمية ثلاثية الفسحة الجماهيرية ( الزمن، والجمال، والإنصات) التي يقدمها عامة المسلمين يوم الجمعة بتقديم خطاب أكثر رشدًا وأكثر إقناعًا وأكثر تأثيرًا...! والحالة الأردنية ليست فريدة فالمجتمعات الدينية والإسلامية تعيش حالات شبيهة وقضايا متقاربة!
وقد تؤدي محاولات الخطاب الديني في نقدها للمفاهيم الحديثة كالديموقراطية وحقوق الإنسان إلى تشويه هذه المعاني عندما يتم إسقاطها على التاريخ بأثر رجعي من زاوية أحكام الفقهاء القدامى! وهكذا تُقدم الديموقراطية كنقيض للشورى، وتُقدّم الأخلاق على أنها اختراع إسلامي وكأنّ الرسول صلى الله عليه وسلّم لم يؤكد على أتممة رسالة الإسلام للقيم الإنسانية المشتركة! وعندما تغيب عناصر الوعي والنضج لهذا الخطاب تصبح خطبة الجمعة مجرد شعارات خالية من البرامج، ومجرد حقد أجوف على الآخر، ومجرد ساعة " رجولة " تسمع فيها صليل السيوف..!
وبعد ؛ فإنني أثق بصديقي الأكاديمي معالي الأستاذ الدكتور عبدالناصر أبو البصل أن يجنب المنبر عديمي الكفاية والأهلية، وأنْ يجنب سماع الناس ما لا حاجة لهم به من القضايا لا سيما الموضوعات التاريخية التي يعاد إنتاجها، لأن الموضوع " العدمي" والخطيب" المرتبك" وجهان لعملية فشل الخطاب الديني، وقد يكونان وجهين لعملة واحدة!
إذن تبقى وزارة الأوقاف مطالبة بفحص مسلماتها الأولية والقواعد الموضوعية في إطار النقد الذاتي لحالة الوعظ والإرشاد الديني الذي تبنته عبر منبر الجمعة!

* جامعة الطفيلة

التعليق