شروط النهضة

تم نشره في الخميس 19 نيسان / أبريل 2018. 11:00 مـساءً

د. أحمد ياسين القرالة

ليس التخلف قدراً حتمياً لأمة من الأمم، كما أن التقدم ليس حكراً على أمة دون غيرها من الأمم، والأهم من ذلك أنه ليس مرتبطاً بالجينات البشرية أو مناطاً بالتوزيعات الجغرافية، فالتقدم والتخلف هما من النتائج الحتمية لمقدمات معينة ومُسببات ضرورية لأسباب محددة، ومن غير المعقول حصول المسبب بدون سببه وإلا لما كان سبباً، أو المعلول بدون علته وإلا لما كان علة.
فشمس الحضارة قد تشرق على أمة من الأمم إذا توفرت لها شروطها ومتطلباتها، وتستمر تلك الأمة في الاستمتاع بدفء الحضارة والاستضاءة بنورها، ما دامت محققة لشروطها وفاعلة لمتطلباتها ومقتضياتها، فإذا تنكبت لتلك الشروط وتخلت عن تلك المتطلبات غربت عنها شمس الحضارة وتوجهت صوب أمة حققت شروطها واستوفت متطلباتها، وهو ما عبر عنه قوله تعالى: "إِنَّ اللَّهَ لا يُغَيِّرُ مَا بِقَوْمٍ حَتَّى يُغَيِّرُوا مَا بِأَنْفُسِهِمْ"، فهي إذن علاقة حتمية بين المقدمات والنتائج، وعلى مذاق المقدمات تتأتي النتائج دائماً.
وإذا ما أرادت أمة من الأمم أن تلج عالم التقدم وأن تبني مشروعها الحضاري، فلا بد لها من تحقيق أمرين اثنين لا بد منهما مجتمعين ومتضامنين؛ هما:
- بناء وتعزيز منظومة القيم التي تعني احترام الوقت والنظام وتقدير العمل واتقانه والصدق في التعامل وأمانة المسؤولية، وغيرها من القيم التي حثها عليها الإسلام وجعلها دستوراً لسلوك المسلم ومعياراً لأحكامه وتعاملاته، والتي يعد الصدق بأشكاله وصوره كافة جامعاً لها وموجهاً لحركتها؛ لذلك حث القرآن الكريم المسلمين على التقوى باعتبارها الصفة الجامعة لمنظومة القيم، ودعاهم لتحري الصدق في أقوالهم وأفعالهم، فقال تعالى: "يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا اتَّقُوا اللَّهَ وَكُونُوا مَعَ الصَّادِقِينَ"، فهذه الآية جامعة لمنظومة القيم التي لا يستقيم إيمان المسلم إلا بها.
ومنظومة القيم التي ذكرناها ليست حكراً على الأمة الإسلامية وحدها، بل هي ميراث مشترك بين الأمم والشعوب، تختلف الأمم في مقدار الالتزام بها كماً وكيفاً، والفرق الوحيد هو أن الإسلام يدعو إلى أن يكون الالتزام بها باعتبارها قيماً ذاتية وليست مجرد منافع ومكتسبات اقتصادية أو اجتماعية، كما أن الإسلام وجه تلك القيم لخدمة الإنسان والمحافظة على إنسانيته وكرامته، وإن قوله عليه السلام: "خياركم في الجاهلية خياركم في الإسلام إذا فقهوا"، يدل على أن القيم ليست خاصة بفئة من الناس أو بدين من الأديان أو بمذهب من المذاهب، وأن وظيفة الدين هي الارتقاء بتلك المنظومة والإعلاء من شأنها.
- الأمر الثاني هو تطوير البحث العلمي وتفعيل دوره في حل المشكلات والتغلب على العقبات، فالله تعالى خلق هذا الكون وأودع فيه قوانين صارمة لا تتخلف، وسننا ثابتة لا تتغير، ولا يمكن للإنسان الاستفادة من هذا الكون والتفاعل معه والاستمتاع به إلا باكتشاف تلك القوانين وتطبيقها في حياته اليومية، ولا يكون ذلك إلا بالبحث العلمي الرصين، فبالبحث العلمي نكتشف القوانين والسنن ونسخرها ونوجهها خدمةً لحياتنا وتسهيلاً لأمورنا، وقد دل على ذلك قوله تعالى: "هُوَ الَّذِي جَعَلَ لَكُمُ الْأَرْضَ ذَلُولًا فَامْشُوا فِي مَنَاكِبِهَا وَكُلُوا مِن رِّزْقِهِ ۖ وَإِلَيْهِ النُّشُورُ"، فالله تعالى جعل الأرض مذللة بالقوانين التي أوجدها فيها والسنن التي أودعها فيها، وطلب منا البحث عنها واكتشافها، فقال: "فَامْشُوا فِي مَنَاكِبِهَا"؛ إذ باكتشافها تتذلل العقبات وتهون الصعاب ونتغلب على المشكلات ونسعد في هذه الحياة، والتي عبر الله تعالى عنها بقوله: "وَكُلُوا مِن رِّزْقِهِ".
ومما يدل على ضرورة هذين الشرطين لقيام أي حضارة، أن كثيراً من الدول انهارت مادياً وانهزمت عسكرياً، ولكنها وبفضل بناء منظومة القيم إضافة لتعزيز البحث العلمي استطاعت أن تنهض من كبوتها وأن تستأنف دورتها الحضارية من جديد، ومن أبرز الأمثلة على ذلك اليابان في الشرق وألمانيا في الغرب -وهذا يؤكد ما ذكرناه سابقاً أن الحضارة ليست حكراً على الغرب ولا التخلف من نصيب الشرق- إذ استطاعت هاتان الدولتان بعد الهزيمة التي حلت بهما في الحرب العالمية الثانية وفي خلال مدة وجيزة من العودة إلى القمة والارتقاء في السُّلم الحضاري، حتى أصبحت هذه الدول مضرب المثل فقي التقدم والازدهار.
فالبحث العلمي المنضبط بالقيم الأخلاقية والمتسلح بالمعايير الروحية، هو الذي يحقق للأمة وجودها ويعطيها مكانتها بين الأمم ويجعلها مهابة الجناب محمية الحمى، فما عادت الكثرة أو الشجاعة معياراً للقوة، بل أصبحت قوة العلم هي المعيار والمقياس، واستطاعت قوة العلم أن تهزم الكثرة والشجاعة مجتمعتين، فقال تعالى: "وَأَعِدُّوا لَهُمْ مَا اسْتَطَعْتُمْ مِنْ قُوَّةٍ وَمِنْ رِبَاطِ الْخَيْلِ تُرْهِبُونَ بِهِ عَدُوَّ اللَّهِ وَعَدُوَّكُمْ وَآخَرِينَ مِنْ دُونِهِمْ لَا تَعْلَمُونَهُمُ اللَّهُ يَعْلَمُهُمْ". فلا قوة بلا علم، والقوة المجردة من القيم والأخلاق هي طغيان وفساد، وهي ظلم وعدوان، والظلم لا يدوم بل هو إلى فناء وزوال.

التعليق