بدء العد التنازلي لرمضان

تم نشره في الخميس 19 نيسان / أبريل 2018. 11:00 مـساءً
  • الجامع الحسيني وسط البلد -(تصوير محمد المغايظة)

أسامة شحادة

لم يبق على قدوم ركن الإسلام الثالث؛ صيام رمضان، إلا أيام قليلة، والأذكياء والأزكياء من المؤمنين والمؤمنات هم الذين يستعدون لذلك بوعي واهتمام، اقتداءً بالحبيب المصطفى عليه الصلاة والسلام، الذي كان يكثر من الصيام في شهر شعبان الذي نحن فيه، ولما سأله أسامة بن زيد، رضي الله عنهما، عن سبب ذلك، قال صلى الله عليه وسلم: "ذاك شهر يغفل الناس عنه بين رجب ورمضان، وهو شهر ترفع فيه الأعمال إلى رب العالمين وأحبّ أن يُرفع عملي وأنا صائم" رواه النسائي وحسّنه الألباني.
وفي زمن السرعة وكثرة الأشغال والمادية المفرطة انقلبت أولويات الكثيرين، فتجد أهل الفجور والمجون ينشغلون طوال العام لكسب موسم رمضان بإنتاج مسلسلات هابطة تلهي عن تلاوة وتدبر القرآن الكريم وصلاة القيام! وتجد تسابق الشركات والأسواق في تقديم العروض المغرية لمزيد من الإسراف والاستهلاك، في تناقضٍ مع مقصد الصيام الأساسي القائم على التخفف من الطعام والشراب والإكثار من العبادة والطاعة!
فترتيب الأولويات في رمضان هو نقطة الانطلاق الصحيحة لكسب شهر الصيام والفوز ببركته وثوابه العظيم الذي يقول الله تعالى عن ثوابه في الحديث القدسي: "كلّ عمل ابن آدم له إلا الصوم، فإنه لي وأنا أجزي به" رواه البخاري، وبدايةُ ترتيب الأولويات تكون بالاستعداد له مبكراً وتجهيز كل ما يساعد على تعظيم الاستفادة من بركاته ونفحاته وملء زمانه بأسباب التقوى والطاعة وعمل الخير، وإزاحة كل ما يعيق عن تحقيق ذلك والتخفيف من المشاغل والمهام الثانوية فيه بإنجازها مبكراً أو ترحيلها لحين انقضائه.
ولما كانت صحة العبادة في الإسلام تقوم على شرطي الإخلاص، لقوله تعالى: "وما أُمروا إلا ليعبدوا الله مخلصين له الدين حنفاء" (البينة: 5)، وشرط اتباع النبي صلى الله عليه وسلم في كيفية العبادة، لقوله صلى الله عليه وسلم: "من عمل عملاً ليس عليه أمرنا فهو رد" رواه مسلم، فإن مراجعة فقه الصيام وأحكامه وأسراره وسيرة سلفنا الصالح من الصحابة والتابعين والأئمة الأجلاء في رمضان والإقبال على الطاعة بها هي مما يرفع مستوى الاستعداد والتهيؤ لرمضان من أول لحظة وليس بعد دخول رمضان بأيام عدة!
وإن توعية الأهل والأصدقاء والزملاء بذلك -بشكل مباشر أو غير مباشر- عبر نشر الكتب والمحاضرات والمطويّات القيمة والمقاطع المتميزة للدعاة والعلماء الأجلاء في شبكة الإنترنت، كموقع طريق الإسلام لا يعرفها كثير من الشباب والشابات، فكم سيكون نافعاً وعظيماً لو بادر بعض الشباب والشابات بتنزيل هذه المواد والاستفادة منها لأنفسهم أولاً، ومن ثم بثها في شبكات التواصل الاجتماعي كاملة أو اقتطاع مقاطع جذابة منها، وهذا كله سيكون سبباً لكسب الأجور العظيمة بالدلالة على الخير والدعوة إلى عبادة الله عز وجل "ومَن أحسن قولاً مِمّن دعا إلى الله وعمل صالحاً وقال إنني من المسلمين" (فصلت: 33).
ومِن أنجح الطرق لاستقبال رمضان والقيام بحقه والوصول لأعلى الدرجات وحالات التقوى فيه، تقييم حالتك في رمضان الماضي، ماذا حققت وأنجزت فيه من خطتك؟ وماذا أعانك على ذلك من خطوات وأسباب؟ فتُركز عليها للوصول إلى حالة أفضل وتتفوق على ما أنجزته، وبالمقابل تحديد أين أخفقت؟ ولماذا؟ وكيف يمكن أن تتجاوز ذلك؟
رمضان شهر القرآن، وقد كان النبي صلى الله عليه وسلم يتدارس فيه مع جبريل عليه السلام القرآن، والمؤمن لا يكتفي بالقراءة السطحية للقرآن الكريم، بل يتدبره ويدرسه، ومن خطوات ذلك الجمع بين التلاوة وقراءة تفسير للقرآن الكريم ومطالعة الكتب المتعلقة بعلوم القرآن الكريم للتزود دوما من هداية القرآن وإرشاده للناس، فمِن الآن حدّد تفسيراً تطالعه أو كتباً تختص بالقرآن، ولو استثمرنا رمضان بهذه الطريقة لن تمضي سنوات قليلة إلا وقد أصبح لدينا معرفة قرآنية جيدة، وسنجد انتشار ثقافة قرآنية ربانية إيجابية عامة في المجتمع، وأنصحك أن تطالع قبل رمضان كتاب "الطريق إلى القرآن" للشيخ إبراهيم السكران، حتى تتهيأ لذلك.
ولعلّ رمضان هذا العام سيكون التجربة الأولى للصوم لآلاف الطلبة والطالبات أثناء الدوام والامتحانات المدرسية والذي سيستمر معهم لسنوات مقبلة، مما يلزم تنبيههم بضرورة الاستعداد المبكر للدراسة والامتحانات وعدم مراكمة المذاكرة، حتى يمكنهم تحقيق تفوقهم الدراسي بسهولة وكسب أجور رمضان بحسن الصيام وقراءة القرآن وصلاة القيام، ففي رمضان يجب التضحية بأوقات الملهيات المناقضة لرمضان، وليس التقصير بحق رمضان والصيام بدعوى الدراسة مع تضخم وقت الملهيات في الكافيهات والمولات وعلى الشاشات والشاتات.
الانشغال بشؤون الطعام والشراب والولائم الرمضانية وشراء ملابس العيد من مضيعات الوقت الكبيرة في رمضان، خاصة في العشر الأواخر التي تعظم فيها الأجور، لكن مع الأسف يكثر فيها التزاحم في الأسواق ويخف الإقبال فيها على صلاة القيام!! وهذا تقصير عظيم وخلل في الأولويات لدى الصائمين والصائمات، وعلاجه الحرص على شراء أكثر مستلزمات المطبخ والملابس مبكرا قبل رمضان حيث الأسعار مقبولة والأسواق غير مزدحمة، فنكسب الدنيا والدين.
مما رُوي عن السلف أنهم كانوا يُخرجون زكواتهم في شهر شعبان حتى يطمئن الفقراء ولا ينشغلوا في رمضان عن العبادة والطاعة كسائر الصائمين والصائمات، فلنحرص على ترتيب أمور الزكاة بتفحص نصاب الزكاة بحسب نوع المال (نقد، تجارة، زرع، أنعام) وتحديد قيمة الزكاة وتحديد في أي مصرف من مصارف الزكاة الثمانية سنضع زكاتنا.
وفي الختام؛ قد بدأ العد التنازلي لموسم الرحمة والبركة والتقوى فلا تفوتك الفرصة العظيمة وأحسِن ترتيب أولوياتك واستعن بالله عز وجل ولا تسوّف أو تؤجل، وخطّط مبكراً ونفّذ بإتقان حتى تصل إلى ليلة العيد وقد كنت في معشر الفائزين والمتقين، بلّغنا الله بكرمه تلك المكارم أجمعين آمين.

التعليق