إبراهيم غرايبة

في فهم عالم اليوم

تم نشره في الجمعة 20 نيسان / أبريل 2018. 11:08 مـساءً

تبدو أدوات الفهم والتقدير للعالم المتشكل اليوم مرتبكة بل ويغلب عليها العجز والفشل، ويمكن ملاحظة ذلك بوضوح في الكتابات الصحفية والمعالجة الإعلامية؛ إذ يغلب عليها الغيبوبة أو الغموض أو الهذيان! ذلك أنه تخرج تقريبا كل المبادئ والأفكار التي أسست لعالم الصناعة أو تلك المرحلة التي تبلورت منذ القرن السابع عشر وبدأت في التراجع منذ نهاية الحرب العالمية الثانية، واليوم فإنها توشك على الانحسار، المجتمعات التي ورثت الإقطاع والمؤسسات الدينية لتتولى بناء القيم والأهداف السياسية والتنشئة والضبط والتنظيم الاجتماعيين ضعفت أولا لصالح الدولة المركزية ثم تفتتت وانحسرت لصالح الشركات والأسواق، والدولة المركزية التي ورثت الإمبراطوريات وأنظمة الحكم المحلي والمديني، تسلطت عليها الشركات والأوليغاركيات وحولتها إلى مؤسسات لجمع الأتاوات، ثم انحسرت الشركات والبنوك التقليدية والمؤسسات التعليمية والإعلامية والنقابية التي هيمنت على الأسواق والدول والمجتمعات لتحل مكانها أجيال جديدة من الأعمال والمؤسسات، وعلى سبيل المثال، فإن "نت فليكس" تزيح شركات الإنتاج السينمائي والتلفزيوني التقليدية وتغير جذريا في أداء ومعنى السينما والتلفزيون، و"فيسبوك" وشبكات التواصل تزيحان المؤسسات الإعلامية والصحفية وتغيران في معنى الإعلان والعمل الصحفي والإعلامي، و"غوغل" تغير عميقا في الجامعات والمدارس والمكتبات ومراكز الدراسات، و"مايكروسوفت" وأنظمة البرمجة تغيران المهن والنقابات والأعمال والوظائف والأنظمة والمؤسسات الإدارية والبيروقراطية، و"أمازون" و"علي بابا" تغيران جذريات في عمليات الأسواق والبيع والشراء والتداول، وتحاول أو تقترب "بلوك تشين" من تغيير النقود وأنظمة البنوك المركزية والتجارية والتسجيل والتنظيم لملكيات العقارات والأصول المالية بل ومعنى هذه الأصول.
وكذلك تتغير الأفكار والفلسفات والمنظومات المعرفية التي شكلت عالما ينقضي أو يكاد ينقضي، فما لدينا اليوم من تراث معرفي وعلمي وثقافي هو ما بدأ بالتشكل والظهور مع الثورة الصناعية، ففي علم الاجتماع والسياسة والفلسفة مثلا، ظهر دوركايم وماكس فيبر وكارل ماركس وسبينوزا وجون لوك وجان جاك روسو وفولتير وشوبنهور وهيغل ونيتشه وديوي، وفي الرواية والثقافة والفنون ظهر تولستوي وتشيخوف وفيكتور هوغو وغوته وديستويفسكي وغيرهم بالطبع من آلاف المفكرين والعلماء والفنانين والأدباء والفلاسفة، ولا بدّ أننا على موعد مع فلسفات وأفكار وفنون وآداب جديدة ومختلفة عن تراث الصناعة والمطبعة بقدر اختلاف هذه عن فلسفات وآداب وفنون عصر الورق! ومع مدارس وجامعات جديدة مختلفة بقدر ما اختلفت هذه عن المدارس وأنظمة التعليم السابقة، ومع أنظمة تمويل جديدة مختلفة عن البنوك السائدة بقدر اختلاف هذه عن أنظمة الصرافة والمرابين السابقة، وكذا الثقافة والقيم والأخلاق والعلاقات والأنظمة الاجتماعية والسياسية والاقتصادية.
هكذا أيضا، فعندما تكون الكتابة صعبة أو غامضة، فذلك لأننا لم نستوعب بعد الموضوع الذي نكتب فيه أو لأن الكاتب خائف ويموه فكرته الأصلية معولا على ذكاء القارئ، وإن كان السبب البديهي لعدم استيعاب الكاتب الموضوع هو عدم إحاطته به. لكن هناك سببا آخر مهم جداً. وهو أن التحولات الكبرى المحيطة بعالمنا اليوم على قدر من العمق والضخامة تفوق قدرتنا على الاستيعاب. ونحتاج إلى وقت لنحيط بها وندركها. وهناك سبب ثالث مهم أيضا، وهو أننا في بداية هذه الأحداث والتحولات والتشكلات ولم تستقر بعد أو تنجلي التفاعلات المحيطة بها. وفي ذلك فإن الكتابة فيها مثل كتابة عن مباراة أو معركة ما تزال دائرة ولم تتوقف بعد. وفي المقابل فإن التبسيط في الفكرة وعرضها يؤشر أيضا إلى عدم الاستيعاب أو التهرب أو اختيار الأسهل أو الاستخفاف بالقارئ.
ويظل التحدي كيف نعرض فكرة صعبة ومعقدة أو مستحدثة بلغة مفهومة، وكيف ندرك الحكمة قبل انقضاء الأحداث، وإن كان مؤكدا أو مرجحا أن الحكمة المعاصرة لم تتشكل بعد!

التعليق