"إن وليي اللهُ الذي نزّل الكتاب وهو يتولى الصالحين"

تم نشره في الخميس 26 نيسان / أبريل 2018. 11:00 مـساءً

د. محمد المجالي

عظيم شأن هذا القرآن وهو يرشد أتباعه إلى الهداية العامة والسعادة الحقيقية، والتي من ضمنها هذا الولاء الخالص لله تعالى، فليعلنها المسلم بكل ثقة ويقين أن وليّه هو الله الذي نزّل الكتاب، وهو سبحانه يتولى الصالحين بعنايته ورعايته، فهو يدافع عن الذين آمنوا، ويهدي من يعتصم به إلى صراط مستقيم، وهو مع الذين اتقوا والذين هم محسنون.
هذه الآية من أواخر سورة الأعراف التي تحدثت عن العقيدة من خلال القصص؛ حيث حوار الأنبياء مع أقوامهم ودعوتهم إلى التوحيد الخالص، بُدئت بقصة آدم عليه السلام وخلقه وموقف إبليس منه، وما فعله من الأكل من الشجرة هو وزوجه ونزولهما من الجنة، وكيف غفر الله لهما الخطيئة، وحديث عن الأعراف حيث مصير الناس يوم القيامة، من أطاع ومن كفر ومن خلط عملا صالحا بسيّئ واستوت حسناته وسيئاته، ثم بقية قصص السورة.
وفي آخرها جاءت هذه الآية في سياق ما يفعله بعض الناس من شرك بالله، عبادة ودعاء وثقة، حين يوجه بعضهم عبادته ودعاءه وثقته بغير الله تعالى، ويخبرهم الله تعالى: "والذين تدعون من دون الله لا يستطيعون نصركم ولا أنفسهم ينصرون"، فهذا حال من وثق بغير الله كيف يكله الله إلى من وثق به، وحينها يخسر الدنيا والآخرة.
موضوع الولاء الكامل الخالص لله ورسوله والمؤمنين من أهم ما ينبغي تعزيزه في نفوس المسلمين في كل حين، خاصة في زماننا هذا الذي تختلط فيه الأمور، ويحاول كثيرون زعزعة مفهوم الولاء والخلط بينه وبين معاملة الناس عموما بالحسنى، فالولاء الذي لا ينبغي توجيهه لغير الله ورسوله والمؤمنين هو الذي يرافقه نصرة ومحبة وثقة، ولا يمنع هذا من برّ الآخرين والإحسان إليهم والقسط معهم إن كانوا غير حربيين، أما إن كانوا معتدين حربيين فلهم حكم آخر، قال تعالى: "لا ينهاكم الله عن الذين لم يقاتلوكم في الدين ولم يخرجوكم من دياركم أن تبروهم وتقسطوا إليهم، إن الله يحب المقسطين. إنما ينهاكم الله عن الذين قاتلوكم في الدين وأخرجوكم من دياركم وظاهروا على إخراجكم أن تولوْهم، ومن يتولهم فأولئك هم الظالمون"، وهاتان الآيتان من أواخر ما نزل، وهما تحكمان العلاقة مع غير المسلمين بوضوح.
وعودة إلى الآية موضوع المقال، ففيها ما يسلي النفس وقوي من عزيمتها، فوليّ كل مؤمن هو الله، الذي نزّل الكتاب، ولفظ (نزّل) مرتبط غالبا بالقرآن؛ إذ هذا الفعل يعني النزول المفرَّق، وهذا لم يكن إلا للقرآن، ويخبر تعالى أنه يتولى الصالحين، فهو وعد منه تعالى ألا يترك عباده الواثقين به المتمسكين بحبله، فهو ولي المؤمنين.
وتأكيدا لهذا المعنى، أتْبع الله هذه الآيات بذكر عداوة الشيطان للإنسان (كما بدئت السورة بها)، فترشدنا الآيات: "وإما ينزغنّك من الشيطان نزغ فاستعذ بالله، إنه سميع عليم. إن الذين اتقوا إذا مسهم طائف من الشيطان تذكروا فإذا هم مبصرون، وإخوانهم يمدونهم في الغي ثم لا يُقْصرون"، فهي معركة مستمرة بين الشيطان وأعوانه من جهة، والصالحين من جهة أخرى، فالمؤمن إن أصابته نزغة ووسوسة من الشيطان استعاذ بالله تعالى، وهو السميع البصير، لا تخفى عليه خافية، ويزيد الله تعالى الأمر بيانا بأن الشيطان لا يترك الوسوسة للإنسان، فإن مسه شيء من إيحاء الشيطان تذكر الله تعالى وعظمته وحقه عليه، وخشي عقابه، وهذا يزوّده ببصيرة يميز بها بين الأمور، فلا يضله الشيطان ما دام متمسكا بالله تعالى، قال سعيد بن جبير: "هو الرجل يغضب الغضبة فيذكر الله، فيكظم الغيظ"، وعن مجاهد: "هو الرجل، يهم بالذنب، فيذكر الله، فيدعه".
وتخبر الآيات أن إخوان الشياطين (من الإنس) تمدهم الشياطين في الإغواء، ولا يقصرون، قال ابن عباس رضي الله عنهما: "لا الإنس تقصر عن السيئات، ولا الشياطين تمسك عنهم"، فإذا لم يبصر بقي في الغي.
وفي ختام مشهد الإغواء والإضلال، وهو من الحوار المستمر بين أهل الهدى وأهل الضلال، يقول تعالى: "وإذا لم تأتهم بآية قالوا لولا اجتبيتها، قل إنما أتبع ما يوحى إليّ من ربي، هذا بصائر من ربكم وهدى ورحمة لقوم يؤمنون"، حين لا يأتيهم الرسول صلى الله عليه وسلم بآية من الله، حينها يطلبون منه أن يأتيهم بها عنادا وتعجيزا، لا طلبا للهداية، وهنا يأمر الله تعالى رسوله صلى الله عليه وسلم أن يجيبهم: إنما أتبع ما يوحى إلي من ربي، فهذا الذي يوحى إليه فيه بصائر وهدى ورحمة لقوم يؤمنون، وهذا موضع عظيم يذكر الله تعالى فيه بعض أوصاف القرآن، فهو بصائر يبصر بها المؤمن حقائق الأمور لا مجرد ظاهرها، وهو هدى ورحمة لمن آمن به وسلك طريقه.
(ولاء وكتاب وصلاح)، و(شيطان وإغواء وعناد)، هي حال المؤمن في هذه الدنيا مع التحديات والفتن الكثيرة التي يمر بها، هي دار ابتلاء وفتن: "أحسب الناس أن يُتركوا أن يقولوا آمنا وهم لا يفتنون! ولقد فتنا الذين من قبلهم، فليعلمن الله الذين صدقوا وليعلمن الكاذبين"، ولم يتركه الله تعالى بلا رسول أو دليل، حتى يقيم الحجة على الناس، فالمؤمن يوالي الله تعالى، ويتبع هذا الكتاب الذي هو بصائر وهدى ورحمة، ويدفع وساوس الشيطان بتذكره الله تعالى.
لا بد للمؤمن أن يعلن موقفه ويتفقد نفسه ويحاسبها، ويثق بربه تعالى ووعده، ويعتصم به سبحانه، فهو نعم المولى ونعم النصير، وهو حسبنا ونعم الوكيل، خاصة في زمن لا نُحسَد عليه في كثرة الشبهات والشهوات، وهي كلها داعية المؤمنَ أن يبصر طريقه جيدا حتى لا يزل ويقع في المحظور.

التعليق