ماجد توبة

ما بعد عاصفة "المهندسين"

تم نشره في الأحد 6 أيار / مايو 2018. 11:04 مـساءً

لم تهدأ بعد ارتدادات ما يمكن وصفه بـ"الزلزال أو العاصفة" التي ضربت نقابة المهندسين، في انتخابات مجلسها الأخيرة، والتي تمكن فيها تحالف القوميين واليساريين ومستقلين من إزاحة التيار الإسلامي عن دفة قيادة أكبر وأهم النقابات المهنية بعد نحو ثلاثة عقود من الاستحكام في قلعتها، إلا أن نشوة النصر لدى قائمة "نمو" وطعم مرارة الهزيمة الانتخابية لدى قائمة "إنجاز"، لم تلبثا وأن تذوبا أمام الاستحقاقات النقابية في المرحلة المقبلة، وهي استحقاقات لن تكون مطلوبة من تيار دون الآخر، فالنقابة بالمحصلة للجميع، وخيرها وشرها سيرتدان على رؤوس أعضاء هيئتها العامة، التي تعد خزان الأصوات والشرعية للطرفين.
باستثناء بعض الأصوات النشاز والمثيرة للكراهية التي صدرت خلال الانتخابات النقابية، وبعد إعلان النتائج المفاجئة، فإن التيار العام لدى القائمتين ومؤازريهما يقبل في المحصلة نتائج الاحتكام لصندوق الاقتراع، وبدا واضحا أن نقيب المهندسين الجديد، المهندس أحمد سمارة الزعبي، وزملاءه من "نمو"، حريصون على التأسيس لنوع من الشراكة والتوافقات مع التيار الآخر، وظهر ذلك بمسارعة الزعبي لزيارة عدد من النقباء السابقين ممن قدمهم التيار الإسلامي لقيادة النقابة، وظهرت هذه الأجواء أيضا في الاجتماع الأول لمجلس النقابة الجديد بحضور المجلس المنتهية ولايته أمس. 
في تحليل أسباب وظروف ما جرى في انتخابات "المهندسين"، التي بقيت إحدى قلاع الحركة الإسلامية لثلاثة عقود تقريبا، يمكن سرد أسباب وتقديرات عدة، بعضها متعلق بأداء مجلس النقابة وهيئاته القيادية على المستويين المهني والاستثماري، وتحديدا فيما يتعلق بالحال الصعب الذي وصله صندوق تقاعد المهندسين.
كما لا يمكن التقليل من أهمية تأثير ما كان توجهه مختلف التيارات السياسية والنقابية للتيار الإسلامي، وتحديدا في نقابة المهندسين، من اتهامات بـ"إقصاء" باقي التيارات عن المشاركة في القرار و"الاستحواذ" على مختلف مناصب ووظائف النقابة ولجانها، ناهيك طبعا عن الخلافات الإيديولوجية والسياسية التي جمعت صفا عريضا من المنافسين والمخالفين لرؤية التيار الإسلامي بالنقابة وبالحياة السياسية بصورة عامة.
وبغض النظر عن تحليل وتحديد أسباب نتائج الانتخابات بالنقابة الأكبر والأهم، فإن واقعا جديدا اليوم تشكل في النقابة، بل ويمكن القول إنه ألقى حجرا في بركة الحياة السياسية والنقابية الراكدة، ويمكن له أن يؤسس لحياة سياسية ونقابية متوازنة، تفرض على مختلف التيارات تحدّي التكيف معه وتطويره والبناء عليه.
جانب مهم آخر في المعادلة الجديدة، يتمثل بأن التيار الإسلامي لم يخرج من صناعة القرار في نقابة المهندسين خلال الدورة الحالية من عمر المجلس الجديد؛ حيث تسيطر أغلبية من هذا التيار، تقدر بنحو 80 %، على الهيئة المركزية للنقابة، وهي أغلبية تحققت أيضا عبر الانتخابات الأخيرة، ما يعني أن حرية مجلس النقابة وقدرته على تطبيق برنامجه ورؤيته المهنية والنقابية، لن تكونا ممكنتين ولا سهلتين من دون التوافق مع الهيئة المركزية وأغلبيتها، ما يستدعي ترسيم علاقة وتوافقات أساسية بين الكتلتين، عمادها الأساس الشراكة قدر الإمكان والاستناد إلى أن غاية الجميع، كما يفترض، هي خدمة الهيئة العامة والنقابة والمهنة والعمل العام.
التيار الإسلامي مدعو اليوم الى مراجعة حقيقية لأدائه السياسي والنقابي ولعلاقته بباقي التيارات والمكونات السياسية والنقابية، خاصة بعد أن عمقت رياح الربيع العربي وتداعياته منذ سبع سنوات حالة الاستقطاب والخلافات مع باقي التيارات السياسية والفكرية. ولا يمكن بالنسبة لهذا التيار تجاوز التصريحات المشينة التي صدرت عن نائب من التيار، باعتبارها، كما يفترض، ضوءا أحمر يشير الى انفصام بالخطاب السياسي والفكري المعلن لهذا التيار تجاه باقي المكونات السياسية والمجتمعية، وبين الخطاب الحقيقي لدى بعض أبناء التيار!
بينما مطلوب من التيار القومي واليساري والمستقل في النقابة، التقدم خطوة للتأسيس لنوع من الشراكة وتوافقات الحد الأدنى مع الجميع، وتجاوز أي سلبيات وانتقادات كان يوجهها وهو خارج دفة قيادة النقابة.

التعليق