جهاد المنسي

ليلة تكشّف الكراهية ورفض الآخر!

تم نشره في الأحد 6 أيار / مايو 2018. 11:03 مـساءً

لا يجوز لأحد كائنا من كان، أن يعيد ابتكار صكوك الغفران التي عانت منها أوروبا في عصور الظلام، ويمنح نفسه حق تصنيف الناس بين جيد وغير جيد، صالح وغير صالح، منتم وغير منتم، متدين وغير متدين، فتلك لرب العالمين فقط، وليس للبشر.
الديمقراطية التي نطالب بها أساسها تقبل الهزيمة والفوز، قبول وجهات النظر المختلفة معك قبل تقبل الأخرى المؤيدة، احترام خيارات الناس وليس وصفهم بأوصاف غير مقبولة وغير لائقة، والقدرة على الاعتذار عن الخطأ قبل تقبل تهاني النجاح.
مناسبة ذلك الكلام هي الهزات الارتدادية والتصريحات الإقصائية ورفض الآخر، غير المتوازنة التي أدلى بها ساسة وحزبيون ونواب إسلاميون في أعقاب اكتساح قائمة (نمو) مقاعد نقابة المهندسين وفوزها بموقع النقيب ونائبه وعدد من مقاعد المجلس.
الحقيقة الثابتة أن حق الاختلاف في أمور الدنيا ثابت، والجميع يملكون وجهات نظر يطرحونها، ويدافعون عنها، فثقافة الحوار والاختلاف أصل العمل الديمقراطي الحقيقي، فتلك ثقافة يتوجب أن يتعامل معها الجميع بلا استثناء فكرا وممارسة، وأن يطبقها على نفسه قبل أن يطالب بتطبيقها على غيره.
الأصل أن يكون بمقدورنا تقبل الرأي الآخر مهما ابتعد هذا الرأي عن وجهة نظرنا، وأن نقبل الخسارة كما نقبل الفوز، ولذا فإن على أولئك المتضايقين من فوز تيار (نمو) أن يعرفوا أن الديمقراطية ليست لهم وحدهم، وأن هناك خسارة كما كان الربح، وأن يعرفوا أنهم لا يمثلون عنوانا للديمقراطية وغيرهم لا يملك هذا الحق، فالديمقراطية للجميع وليس لهم وحدهم، فأولئك من الواضح أنهم يريدون ديمقراطية لمرة واحدة (الشواهد كثيرة في المنطقة) ويتخذون من العمل الديمقراطي عتبة للوصول لما يريدون، والتمسك بالمواقع بالديكتاتورية، ولا أرى غضاضة أو نقيصة أن يتحالف فريق سياسي ضد آخر، وغير معيب أن يعمل كل فريق لتحقيق الفوز والانتصار، فهذا أصل العمل العام، وأي معركة انتخابية.
المفارقة أن يصف بعض التائهين غير المصدقين بعد فوز (نمو)، التيار الفائز باعتبارهم لا دينيين وكفرة وملحدين ومثليين، فهذا بحد ذاته نقيصة لا تغتفر، وحض على رفض الآخر، والأصل أن لا يكون لتلك الأصوات مكان في العمل السياسي، أما الأصعب والأغرب، فهو أن يوزع أولئك المصدومون على المهندسين أوصافا ومسميات، فيقوم بتصنيفهم وكأنه يحاسبهم، ويلوم من اعتبرهم بـ"المتدينين" لأنهم لم يقبلوا على الاقتراع وكأن الطرف الآخر خارج الدين، أما الأصعب من ذلك فهو استخدام وصف "أبناء الطوائف" لمن وقف ضد جماعته، فهذا وصف شائن ولا يجوز أن يستخدم كمفردة في الخطاب السياسي الأردني.
لأولئك، ومن على شاكلتهم، نقول إن الأردن للجميع وليس لهم وحدهم، والدستور للجميع، ولا تفريق بين الأردنيين بعضهم عن بعض مهما اختلفت أعراقهم وأجناسهم وأديانهم وميولهم وتفرعاتهم، ولأولئك الحق الكامل في مواطنة غير منقوصة، مواطنة تقوم على العدالة والمساواة، ولا يجوز ولا يتوجب أن يصنف الناس باعتبارهم أبناء طوائف أو أقليات.
المؤلم أن تخرج مفردات غير لائقة من مشرعين يفترض بهم الحرص على الدستور والقانون، فذلك مدعاة للتوقف والخوف والتوجس من أولئك الذين نضع بين أيديهم مستقبل التشريع في هذا البلد الذي نريده مدنيا وحضاريا وتنويريا، وليس راديكاليا وظلاميا ومتشددا، وعندما يكون من يستخدم مثل تلك الكلمات حزبيين، يفترض بهم تقبل الرأي والرأي الآخر وحق الاختلاف في الرؤى ووجهات النظر من دون مصادرة حق أي كان في قول وجهة نظره، فإن من حقنا أن نسأل، هل يؤمن أولئك بالديمقراطية فعلا؟!، أم أنهم يتعاملون معها طالما كانت لصالحهم، ويرفضون مخرجاتها عندما تكون رياحها مخالفة لهم؟!.

التعليق