أضرار الامتحانات العامة، الخفية

تم نشره في الجمعة 11 أيار / مايو 2018. 12:09 صباحاً

لِنَصْدُقْ -أولاً- بالاعتراف بما هو متفق عليه قانونياً وإنسانياً، وهو أن التعلّم/ التعليم حق من حقوق الإنسان الأساسية. وأنه يقابله واجب على الدولة بالمقدار نفسه. وهو -أي الواجب- رسالة سامية تؤديها ولا تتخلى عنها، لأنها ليست مجرد خدمة اختيارية أو انتقائية للفرد.
وأرجو أن نتفق على ما أكرره كثيراً لأهميته القصوى، في أن قدرة الطفل السوي على التعلّم غير محدودة إذا تم تعليمه بصورة صحيحة، كما يقول أرقى المربين. ويشهد على هذه القدرة ما يتعلمه الطفل قبل التحاقه بالمدرسة من مهارات هي أصعب مما يتعلمه في المدرسة فيما بعد، مثل تعلّمه لغة الأم ولغة الأب أيضاً مهما كانت معقدة، والحبو، والوقوف، والمشي، ولبس ملابسه، والذهاب إلى الحمام عند الحاجة، وسائر المهارات الوظيفية الحياتية اللازمة له في الأسرة والمجتمع. ويتعلمه كله من دون أن يكون لأيٍّ منها جهاز بيولوجي خاص بها يختلف فيه كل طفل في كل أسرة (أو مجتمع) عن جهاز غيره من الأطفال في أسرة أو مجتمع آخرين، بمعنى أن جهاز اكتساب الطفل البشري للغة -مثلاً- واحد عند جميع الأطفال وأنه يتعلم به آلاف اللغات واللهجات.
ولنتذكر كيف كان التعلم والتعليم يتمان بالغربلة -رسوباً وتسرباً- عبر الامتحانات المدرسية والعامة القائمة على الاعتقاد -الذي كان شائعاً عند المتعلم وعند المعلم وعند المجتمع- بوجود تفاوت -فطري- بين قدرات الأطفال في التحصيلين العام والفرعي، وأن المسؤولية عن التعلم نتيجة لذلك تقع على الطفل/ة (المتعلم/ة) لا على المعلم/ة والمدرسة، وأن الأطفال كانوا يدرسون وما يزالون والمدرسة تدرس وما تزال للامتحان، وينقطعون وما يزالون عن ممارسة أي نشاط يذكر لاضطرارهم قضاء الوقت في الاستعداد للامتحان الذي يقرر مصير المتعلم وبالتالي مستقبله وأحياناً بعلامة أو بعُشر علامة كما في الامتحان العام.
غير أن هذا الوضع تغير أو يتغير اليوم في كثير من بلدان العالم بنظريات التعلّم وأساليب التعليم الحديثة. ومن ذلك أن كل طفل سوي فريد في نشأته ويحتاج إلى نوع من التواصل أو التفاعل المناسب معه لإطلاق طاقاته والاستجابة لمتطلباته، وأن تقييم التعلم لازم لاكتشاف أي ثغرات عامة أو فرعية فيه لمساعدة المتعلّم/ة أولاً بأول على تجاوزها، هو البديل الصحيح والكريم للامتحان. كما انتقلت المسؤولية عن تعلّم الطفل/ة (التلميذ/ة) السويين من الطفل/ة (التلميذ/ة) إلى الأسرة والمدرسة والمجتمع.
لذلك، أعارض بل أدين الامتحانات التقليدية المعروفة وبخاصة العامة منها، فهي عبارة عن أسئلة بالصدفة من كتاب كبير، وأجوبة بالصدفة، وفي سويعات، تقرر المصير والمستقبل. ويتغلب القادرون على سوء تعليم أطفالهم في المدرسة العامة بالدروس الخصوصية أو بالمدارس الخاصة المتطورة، ويحصلون على قصب السبق في الفرص، بينما يخسرها غيرهم في المدرسة العامة والخاصة التي على شاكلتها بنتيجة الامتحان ويهان ويدان.
ولأن التلميذ والمدرسة يكرّسان الوقت والجهد للامتحان، فإنهما ينأيان بنفسيهما عن أي نشاط مصاحب للمنهاج أو مضافٍ إليه: في مختبر، أو في مشغل، أو في ملعب، أو في مسرح... فيكسبون علامات، ويخسرون مهارات، مع أن أثر النشاطات في تكوين الشخصية والمعرفة أقوى وأفضل من أثر الامتحان الذي يتعلم به التلميذ/ة أساليب الغش والاحتيال أو يبتكرها لينجح. هذا عدا عن حالة الطوارئ في المدرسة والأسرة والمجتمع التي ترافق إجراءات الامتحان وترقب النتائج. من هذا ولهذا ومن أجل تقليص سلبيات الامتحان العام على طريق إلغائها قدمت أكثر من مرة اقتراحات لتخفيفها.
لكن لماذا يتمسكون بالامتحانات العامة؟
الجواب واضح: يتمسكون بها سياسياً لأنه لا طريق لديهم أفضل منها لإسكات الناس على النتائج، بجعل أبنائهم وبناتهم مسؤولين عنها وليس الدولة، واقتصادياً لأن الدولة لا تستطيع توفير التعليم الجيد أو التعليم العالي للجميع، فتغطي تقصيرها بالامتحان. على أنه يجب علينا ألا ننسى السلطة والمكافآت التي يتمتع بها المعنيون بالامتحان: في إجراءاته وعملياته وتمسكهم الاستراتيجي به (خط أحمر)، فهل تتفقون معي أو توافقون أن الامتحان شر يجب التخلص منه، لا شراً لا بد منه كما يدعي الامتحانيون؟.

التعليق