رفع الضرائب على البنوك: هل هي خطوة في الاتجاه الصحيح؟

تم نشره في الأحد 13 أيار / مايو 2018. 11:00 مـساءً

محمد جميل عزم حمد

ستقوم الحكومة بتقديم مشروع قانون معدل لقانون ضريبة الدخل إلى مجلس الأمة خلال أسابيع، ومن التعديلات المقترحة بحسب مسودة المشروع، رفع نسبة ضريبة الدخل على قطاع البنوك والبالغة حالياً 35 % لتصبح 40 %.
ولا بد هنا من إيضاح العديد من النقاط والمحاذير التي ستنتج عن هذا التعديل المقترح، فكما هو معروف فإن قطاع البنوك يعد أحد أهم المحفزات للنمو الاقتصادي، وأي تأثير سلبي على ذلك القطاع قد يحمل معه آثاراً ومخاطر على النظام الاقتصادي كاملا.
تستجيب البنوك حاليا للعديد من المتطلبات الرقابية الدولية الصادرة عن مؤسسات رقابية ومالية دولية مختلفة مثل: مجموعة العشرين G20، مجلس الاستقرار المالي FSB، ولجنة بازل ومجلس المعايير المحاسبية وغيرها، ومن أمثلة هذه المتطلبات التي يجب التواؤم معها متطلبات بازل 3 وتعديلاتها، معيار الإبلاغ المالي رقم 9، التقييم الداخلي لرأس المال،  الاختبارات الضاغطة، متطلبات البنوك الأكثر أهمية وذات المخاطر النظامية وغيرها، ونتائج هذه المتطلبات تؤثر بشكل أساسي على رؤوس أموال البنوك، وبالتالي تؤدي إلى تخفيض نسب كفاية رأس المال والتي بلغت بنهاية العام 2017 حوالي 15 % لدى البنوك المدرجة في بورصة عمان، وهذا التخفيض وإن كانت هناك بنوك تستطيع مواجهته، إلا أنه يفرض على العديد من البنوك أن تعمل جاهدة للوصول الى الحدود المطلوبة، وذلك بالإضافة الى أن أي زيادة في التمويل في حال ظهرت فرص لتنشيط النمو الاقتصادي فإنها تستلزم أصلاً تدعيم رؤوس أموال البنوك بزيادتها، وأهم أسلوب لزيادة رأس المال هو رسملة الأرباح المتراكمة، لكن في حال عدم توفر هذه الأرباح المتراكمة، وحصول انخفاض في رؤوس أموال البنوك استجابة للمتطلبات الرقابية، فإن ذلك يعني بالضرورة إما زيادة رؤوس الأموال من خلال السوق المحلي أو من خلال مستثمرين خارجيين.
وبالنسبة للسوق المحلي، فإن السوق المالي يعاني من انخفاض حجم السيولة في الأسواق وبين يدي المستثمرين، أما المستثمرون الخارجيون وفي معظمهم من الخليج، فإن أسواق الخليج أصلا تعاني لتوفير الدعم لاستثماراتها نظرا لانخفاض أسعار النفط، آخذين بالاعتبار أنه لابد من توفير عائد مناسب على حقوق المساهمين للمستثمرين ليكون الاستثمار مغرياً لهم، وبخلاف ذلك، فلن يتم دعم هذه الاستثمارات أو جذب المستثمرين اليها مع ما قد يحمله ذلك من تراجع في أسعار أسهم البنوك وتأثر البورصة بذلك، علما بأن فرض الضريبة أعلاه يخفض وبشكل تقديري العائد على حقوق المساهمين على أرقام 2017 مثلا الى ما دون 7 %، ويعد هذا عائداً منخفضاً عن القطاعات الأخرى.
تتوازى هذه المتطلبات الرقابية الهادفة إلى تمتين الأوضاع المالية للبنوك من خلال دعم أو رفع رأسمال البنك، مع متطلبات جديدة للسيولة الواجب الاحتفاظ بها لدى البنوك والتي تؤثر أيضاً على ربحية تلك البنوك، إضافة الى متطلبات مكافحة غسل الأموال وتمويل الإرهاب والمتطلبات الضريبية الدولية، والأمن السيبراني وحاكمية تكنولوجيا المعلومات وما تفرضه من تكاليف مرتفعة، مما يجعل البنوك تتجه نحو تقليل المخاطر كتوجه جديد في أعمالها خوفاً من أي خطورة قد تكون كامنة في تلك الأعمال وتأثيرها على سمعتها وقدرتها المالية، مما تؤدي بالتالي الى تخفيض حجم أعمالها وربحيتها.
بالإضافة لكل ذلك، فإن السياسة النقدية المتبعة اليوم أكثر تشددا، وذلك من خلال رفع أسعار الفوائد بشكل متوازٍ مع رفع الاحتياطي الفيدرالي لأسعار الفائدة على الدولار الأميركي ليحافظ البنك المركزي الأردني على هامش مناسب بين أسعار الفائدة على الدينار والدولار وبما يمنع حصول دولرة في الأسواق.
وفي المحصلة، فإن رفع الضرائب على البنوك، بالإضافة إلى جميع ما ذكر من مخاطر ومتطلبات وضغوطات على تلك البنوك، سيؤدي حكماً الى محاول البنوك المحافظة على مستوى ربحيتها ليكون الاستثمار في البنوك مغريا للمستثمرين، وذلك بدوره قد يعني رفع أسعار الفائدة على المقترضين وتأثر الاقتصاد الوطني، فعلى مستوى الشركات، فإن رفع سعر الفائدة مع إغلاق الأسواق الخارجية المحيطة قد يؤدي إلى انخفاض الرغبة بالاقتراض، نظرا لارتفاع تكاليف التمويل، وكذلك مخاطر التشغيل والمخاطر الجيوسياسية، مما يؤدي الى تراجع الاقتراض والإنتاج والاستثمار، وبالتالي تراجع الإيرادات سواء للبنوك أو الشركات ذاتها، وفي النتيجة تراجع الضرائب المحصلة بأنواعها سواء ضريبة الدخل، أو ضريبة المبيعات، أو الجمارك والرسوم المختلفة، وحتى القدرة على خلق الوظائف سيتراجع، ويترتب على ذلك تراجع لحركة الأسواق والضرائب بأنواعها بما في ذلك المتحصلة من الأفراد، وبالنتيجة تأثر الاقتصاد الوطني سلباً.
إن رفع نسبة الضريبة على البنوك وكذلك على الأفراد من خلال تخفيض الإعفاءات الخاصة بهم وزيادة الضريبة على الشرائح المختلفة، وكذلك رفع أسعار الفوائد بشكل موازٍ سواء لاضطرار البنوك الى الحفاظ على مستوى الربحية لديها لتعويض رفع الضريبة عليها، أو بسبب قيام البنك المركزي الأردني برفع أسعار الفوائد، وتطبيق البنوك أدوات تسعير جديدة استجابة لتطبيقها معيار الإبلاغ المالي رقم 9 وما يتبعها من اقتطاع مخصصات ستضطر البنوك لتعويضها، سيحمل العديد من النتائج السلبية.
دعونا لا ننسى أن البنوك أصلا تدفع حصة كبيرة من أرباحها لضريبة الدخل، وحسب الدراسة الأخيرة الصادرة عن منتدى الاستراتيجيات الأردني، فقد بلغ ما تدفعه الشركات الكبيرة ما نسبته 17.6 % من الإيرادات الضريبية، وتبلغ حصة القطاع المالي والمصرفي منها 40 %، إضافة للرسوم المختلفة التي تنتج عن ممارستها لأعمالها مثل رسوم الرهن والطوابع والتسجيل وغيرها وكذلك ما يدفع لشركات التأمين.
دعونا نفكر مليا قبل اتخاذ قرار رفع الضرائب على البنوك في هذا الوقت الذي يعاني فيه الاقتصاد من محبطات عديدة لما تشهده المنطقة من أوضاع، فمقابل زيادة 5 % من أرباح البنوك تحسب في إيرادات الخزينة، قد نخسر الكثير ليس فقط من القطاع المصرفي وإنما من جميع القطاعات المعتمدة عليه، لذا يتوجب علينا التفكير مليا في الأثر المضاعف (Multiplier effect) وبالتأثير السلبي على خطة الحكومة الحالية لتحفيز الاقتصاد الأردني وما قد ينتج عن كل ذلك من تفاقم للوضع الاقتصادي وتراجع للاستثمارات التي تعقد الآمال عليها.

التعليق