التكافل الاجتماعي في الإسلام

تم نشره في الخميس 17 أيار / مايو 2018. 11:00 مـساءً

د. أحمد ياسين القرالة

يقصد بالتكافل الاجتماعي هو التزام أفراد المجتمع وتضامنهم لإعانة المحتاجين ومساعدة المضطرين.
وهو من الأسس والأركان التي يقوم عليها بنيان المجتمع الإسلامي، فالإسلام ينظر إلى المجتمع على أنه كيان إنساني متواصل متراحم، وأن الإنسان فيه يجب أن يحيا حياة كريمة تليق بآدميته، وتتسق مع كرامته الإنسانية، فلا يجوز في نظر الإسلام أن يبقى فردٌ في المجتمع يعاني الجوع ويقاسي الألم، يقهره الحرمان وتذله الحاجة، بينما يعيش الآخرون في رغد وهناء، فالمجتمع المسلم كالجسد الواحد في تعاضده وتضامنه، وهو ما عبر عنه رسول الله صلى الله عليه وسلم، بقوله: "مثل المؤمنين في توادهم وتراحمهم وتعاطفهم، مثل الجسد إذا اشتكى منه عضو تداعى له سائر الجسد بالسهر والحمى".
وهذا التكافل نوعان؛ تكافل معنوي: وذلك بالشعور النفسي والتضامن الأدبي مع بقية أفراد المجتمع المسلم، يفرح لفرحهم ويحزن لحزنهم وألمهم، ويحب لهم الخير كما يحبه لنفسه. وتكافل مادي: وهو بذل المال والوقت لإعانة المحتاجين ومساعدتهم؛ للتغلب على ظرفهم وتحسين أحوالهم.
ويستند التكافل بنوعيه إلى الإيمان بالله تعالى، وهو من أعظم ضمانات استمراره وديمومته؛ لأن المسلم يشعر وهو يتكافل مع غيره من أفراد المجتمع أنه يقوم بفعله هذا حباً لله تعالى وقربة إليه سبحانه وتعالى، وهو يعتقد أن مآل ذلك الفعل الذي يفعله إنما هو لنفسه، استجابة لقوله تعالى: "وَمَا تُنفِقُوا مِنْ خَيْرٍ فَلِأَنفُسِكُمْ ۚ وَمَا تُنفِقُونَ إِلَّا ابْتِغَاءَ وَجْهِ اللَّهِ ۚ وَمَا تُنفِقُوا مِنْ خَيْرٍ يُوَفَّ إِلَيْكُمْ وَأَنتُمْ لَا تُظْلَمُونَ"، وقوله تعالى: "مَّنْ عَمِلَ صَالِحًا فَلِنَفْسِهِ".
وقد اعتبر الإسلام أن للفقراء والضعفاء حقاً في الحياة الكريمة كما للأغنياء، ولم يعتبر الإسلام ضعف الإنسان لسبب من الأسباب مبرراً ومسوغاً لتركه وحيداً يصارع الجوع والألم والحرمان، بل أوجب على الأغنياء والأقوياء الأخذ بيده ومساعدته ليعيش حياة كريمة تليق بآدميته، وقد سعى الإسلام جاهداً أن يجعل المال متداولاً بين جميع أفراد المجتمع، الغني والفقير، القوي والضعيف، فهذا أحد مبادئه العامة في الاقتصاد وتوزيع الثروة، فقال تعالى: "مَّا أَفَاءَ اللَّهُ عَلَىٰ رَسُولِهِ مِنْ أَهْلِ الْقُرَىٰ فَلِلَّهِ وَلِلرَّسُولِ وَلِذِي الْقُرْبَىٰ وَالْيَتَامَىٰ وَالْمَسَاكِينِ وَابْنِ السَّبِيلِ كَيْ لَا يَكُونَ دُولَةً بَيْنَ الْأَغْنِيَاءِ مِنكُمْ"، فالمال يجب ألا يبقى محصوراً بين الأغنياء وحدهم، وإنما يجب أن يتداوله الجميع.
ويبدأ هذا التكافل من دائرة الأسرة، استجابة لقوله تعالى: "وَأُولُو الْأَرْحَامِ بَعْضُهُمْ أَوْلَىٰ بِبَعْضٍ فِي كِتَابِ اللَّهِ"؛ إذ يجب على أفرادها مساعدة بعضهم بعضاً من خلال النفقات التي تعين الفرد وتساعده على المحافظة على حياته، وتؤهله للاعتماد على نفسه مستقبلاً، وقد اعتبر الإسلام النفقة على الأقارب من أعظم الصدقات وأكثرها أجراً، فقد قال صلى الله عليه وسلم: "دينار أنفقته في سبيل الله، ودينار أنفقته في رقبة، ودينار تصدقت به على مسكين، ودينار أنفقته على أهلك أعظمها أجراً الذي أنفقته على أهلك".
ثم تنتقل دائرة التكافل لتشمل كل أفراد المجتمع، ولأجل تحقيق ذلك شرع الإسلام مجموعة من العبادات والمعاملات التي تحقق هذا التكافل وتعمل على تقويته، وكان في مقدمة ذلك واجب الزكاة، فقال تعالى: "إِنَّمَا الصَّدَقاتُ لِلْفُقَراءِ وَالْمَساكِينِ وَالْعامِلِينَ عَلَيْها وَالْمُؤَلَّفَةِ قُلُوبُهُمْ وَفِي الرِّقابِ وَالْغارِمِينَ وَفِي سَبِيلِ اللَّهِ وَابْنِ السَّبِيلِ فَرِيضَةً مِنَ اللَّهِ وَاللَّهُ عَلِيمٌ حَكِيمٌ"، وهي فريضة على الأغنياء المالكين للنصاب الفائض على حاجتهم، كذلك أوجب صدقة الفطر في رمضان لتكون معيناً للفقير في هذا الشهر الكريم، وفرحة يدخله المسلم على الأطفال في يوم العيد.
كما شرع العديد من المعاملات المالية التي تحقق التكافل وتعزز التضامن بين الأفراد كالهبات والصدقات والعواري والأوقاف وغيرها.
ولم يكن التكافل مقتصراً على المسلم وحده وإنما تعدى ذلك ليشمل كل إنسان محتاج للمساعدة والعون حتى وإن كان غير مسلم، فقال تعالى: "وَيُطْعِمُونَ الطَّعَامَ عَلَى حُبِّهِ مِسْكِينًا وَيَتِيمًا وَأَسِيرًا" ولا يكون أسيراً إلا إذا كان عدواً، وقال تعالى: "وَطَعَامُ الَّذِينَ أُوتُوا الْكِتَابَ حِلٌّ لَّكُمْ وَطَعَامُكُمْ حِلٌّ لَّهُمْ".
ما أحوجنا ونحن في هذا الشهر الكريم الذي تتضاعف في الأجور ويعظم فيها الثواب وتتنزل فيها الرحمات من أن نضاعف من فعل الخير، وأن نكثر من الصدقات وأن نتكافل ونتضامن مع الفقراء والمحتاجين، نشعر بشعورهم ونتلمس معاناتهم، فقد كان رسول الله صلى الله عليه وسلم أجود الناس، وكان أجود ما يكون في رمضان حين يلقاه جبريل، وكان يلقاه في كل ليلة من رمضان فيدارسه القرآن، فرسول الله صلى الله عليه وسلم أجود بالخير من الريح المرسلة.

التعليق