ماجد توبة

في الاستقلال.. الوقفة المطلوبة

تم نشره في الأربعاء 23 أيار / مايو 2018. 11:05 مـساءً

يعتز كل الأردنيين بعيد استقلال مملكتهم الحبيبة، الذي نحتفل بذكراه الثانية والسبعين يوم غد، وبصمود هذا البلد الصغير بحجمه وامكانياته وسط أعاصير وأنواء الإقليم المشتعل منذ ما قبل التأسيس وحتى اليوم. لن تجد أردنيا واحدا إلا مفتخرا وواثقا بما نعيشه بحمد الله من أمن واستقرار، بل والتصدي رغم تواضع الامكانات والموارد وضيق الحال لمهام انسانية وقومية تعجز عنها دول ومجتمعات أكبر وأكثر إمكانات وثروات، بإغاثة اللاجئين الفارين من الموت والدمار من حولنا.
معنى الاستقلال وجوهره العظيم ينطلق من هذا الأساس لدى الإنسان الأردني، رغم كل ما يعانيه من ضنك عيش وضغوط معيشية واقتصادية واجتماعية، فالثقة بقدرة هذا الوطن على الصمود والحفاظ على أمنه واستقراره، والشعور الجمعي بمحورية هذا البعد وبالتضامن الوطني، من شتى الأصول والمنابت والخلفيات السياسية والفكرية، بالتمسك والبناء على هذا البعد وعدم التفريط به تحت أي ظرف، هو ما يعطي الاستقلال بهاءه وعظمته، بل وقدرته كمعنى وجوهر، على شحذ الهمم للتقدم بثقة إلى الأمام والتطلع لمستقبل أفضل واكثر منعة لهذا الوطن ولأبنائنا وأحفادنا.
مع ذلك، وبكل هذه الثقة وعدم التفريط من قبل كل الأردنيين بأمن وأستقرار وطنهم، فإن لمسيرة الاستقلال معاني وثمرات لا تبدو متحققة وناقصة اليوم، ومن حق الأردنيين، الذين حافظوا وسيحافظون بلا ريب على استقلال بلدهم، أن يتوقفوا عندها، وأن يدبّوا الصوت في المطالبة بها وان ينتقدوا حكومات فشلت وما تزال بالارتقاء إلى تطلعات وحاجات الأردنيين بالاستقرار المعيشي والاقتصادي والاجتماعي، وذلك بعد أن بات هذا البعد مكمن الخطر والقلق الحقيقي على الاستقرار وعلى القدرة على التقدم بثبات في مسيرة البناء والعطاء.
وبعيدا عن تفاصيل وتحليلات الاقتصاديين، فإن الاستقلال العظيم وما تحقق من منعة واستقرار وأمن وبنى تحتية نفاخر بها الدنيا، شهد خلال العقدين أو الثلاثة الأخيرة التحدي الأبرز له الذي يبدو مستعصيا حتى اليوم وينذر بما هو أسوأ، ونعني به التراجع الاقتصادي واعتماد سياسات اقتصادية ومالية قاسية لم تنه –وللأسف- أزمتنا الاقتصادية التي استمرت بالتفاقم والاستعصاء، فيما انتجت تداعيات معيشية واجتماعية خطيرة وقاسية، وسعت من مساحات الفقر والبطالة وضربت بقوة الطبقة الوسطى، وفتحت الباب لاستشراء مشاكل وأخطار اجتماعية واسعة.
قد يكون الأخطر اليوم، في هذا السياق، أن مثل هذه السياسات الاقتصادية الرسمية وتداعياتها القاسية، والتي تترافق مع شعور عام بعدم انتباه الحكومة لخطورة هذه السياسات، هو في اغلاقها باب الثقة والأمل بالمستقبل، تحت وطأة الضغوط المعيشية وزيادة كلف المعيشة، وتآكل الأجور والرواتب وزيادة الأعباء والضرائب والرسوم، وعدم قدرة الشريحة الأوسع من المواطنين على مجاراتها والتكيف معها!
رغم أهمية الاصلاح السياسي وضرورة استكماله وتطويره، فإن الهم الاقتصادي والمعيشي الضاغط كما لم يكن في اي يوم مضى، هو الذي يتصدر اليوم سلم الهواجس والتحديات للمواطن الأردني، ومنه تدخل كل شرور عدم اليقين والإحباط وتراجع الأمل بالمستقبل.
قد يكون الاحتفال بيوم الاستقلال المجيد، مناسبة لأن تفتح الحكومة والجهات الرسمية مجساتها كاملة والتوقف مليا أمام تواصل الانحدار المعيشي والاقتصادي للناس جراء السياسات الاقتصادية القاسية، والتي تتعامل معها الحكومة بلغة الأرقام والحسابات المجردة دون ملاحظة التداعيات والآثار السياسية والاجتماعية والمعيشية الكارثية لها!

التعليق