إبراهيم غرايبة

الأردنيون يكتشفون ذاتهم بعد مائة عام من العزلة

تم نشره في الأربعاء 30 أيار / مايو 2018. 11:06 مـساءً

"روح الشعب وثقافته وبنيته الاجتماعية والأعمال التي قد تعدّ سياسته، كل ذلك وأكثر مكتوب في تاريخه المالي." جوزيف شومبيتر.

اكتشف الأردنيون أنفسهم أمس بعد مائة عام على قيام دولتهم الحديثة، لم يكن ينقص الأردن بعد قرن من الزمان وما تحقق من استقرار ومؤسسات وتعليم ومواصلات واتصالات وانترنت وطرق وتحضر سوى "الأردنيين". 

الأردنيون الذين كان لهم نوابهم المنتخبون في مجلس نواب الدولة العثمانية منذ منتصف القرن التاسع عشر (مثل رفيفان المجالي وعبدالقادر التل) وبلدياتهم المنتخبة (إربد 1881، السلط 1882، الزرقاء 1904، مأدبا 1904، عمان 1909) ونخب اجتماعية وسياسية وشعراء ومثقفون يملكون رؤية معقولة للمكان وأحلام الناس وتطلعاتهم، مثل عرار مصطفى وهبي التل وعقيل أبو الشعر، كانوا حتى الأمس يبدون برغم ما يتمتعون به من تعليم متقدم وأعداد كبيرة من الجامعيين والمهنيين كأنهم تائهون، كأنهم في مدن عشوائية، بلا أحزاب سياسية أو جماعات تأثير فاعلة أو منظمات مدنية حقيقية، أو حياة فنية وثقافية تنظم خيال الناس وتمضي به إلى حياة أفضل، لأنه وببساطة كان تحديثاً تجاهل  المواطنين والمجتمعات والمدن، ولم تكن النخبة ترى الأردنيين، وكان الاردنيون لا يرون أنفسهم أو أنهم يعرفون أنفسهم كما يراد لهم أن يكونوا، ووافق ذلك بالطبع مزاج مؤثر نحو الهرب والاقتلاع و... المؤقت! ولكنه مؤقت دام قرنا من الزمان.

وظلت في ظل رواية تغييب المواطنة والعودة والتحرير، تساق المجتمعات والطبقات ضد وعيها لذاتها وضد مصالحها وأولوياتها وتطلعاتها المفترضة، لم يشغل الأردنيون أنفسهم بالجدل الأصلي الذي تتشكل حوله الأمم، كيف نجمع مواردنا وننفقها بعدالة وكفاءة؟ وباسم  قضايا بعيدة ومستحيلة ظل الاحتكار والانفراد بالموارد بعيدا عن مشاركة "دافع الضرائب" يعملان في حرية وهدوء.

… وفي ذلك، فإننا نعمل ضد أنفسنا، ونسخر الموارد العامة المتحصلة من ضرائب المواطنين في غير ما يجب أن تنفق لأجله، بل ضد المواطنين ومعظم الطبقات الاجتماعية والاقتصادية! وندمر العقد الاجتماعي المؤسس للدولة والمجتمعات والمدن والأعمال وهو ببساطة «حكم الأكفأ» وتتبع ذلك متوالية من الفساد والفشل والانهيار الاجتماعي والسلوكي لأنه حين يرى المواطنون هذا التحيز والمحاباة في توزيع الفرص والموارد تنهار الثقة وقيم الولاء والانتماء… كما أنها منظومة من العمل المضاد في الوقت غير المناسب، في مرحلة اقتصاد المعرفة، عندما صارت الموارد والأعمال مستمدة من المعرفة والإبداع، ما يقتضي بالضرورة تعزيز بيئة التنافس ورعاية الموهوبين والمتفوقين وعدم التساهل أبداً في إسناد الأمر إلى غير أهله!

الأردنيون اليوم يواجهون ما ظلوا يهربون منه أو يمنعون منه، وهو أن يشكلوا أنفسهم في مدنهم وبلداتهم ليتولوا هم بأنفسهم الطاقة والماء والتعليم والصحة والخدمات والتنظيم الاجتماعي والحضري والثقافة والفنون والرياضة والمعابد، ببساطة أن يكونوا مواطنين، يمارسون مواطنتهم، وتجمعهم ببعضهم تلك القضايا والأولويات التي تجمع كل المدن على هذا الكوكب، وأن يختلفوا ويتحدوا في تشكلهم وتجمعهم وفق الرؤى والبرامج والآراء التي تنشأ لتنظيم العلاقة بين الناس ومواردهم وأولوياتهم، وتحكم علاقتهم بالدولة والأسواق، فتكون هناك أحزاب سياسية وجماعات اجتماعية ومنظمات وجمعيات وشركات وأسواق ومدارس وجامعات وحدائق ومكتبات وصحف وإذاعات يمولونها هم بأنفسهم أو يشاركون في تمويلها وملكيتها، وبطبيعة الحال يمارسون الولاية على شؤونهم واختياراتهم، وفق ما يتشكل لديهم من أفكار وخيال! هذا هو الربيع الأردني المنتظر والمتوقع.

تتشكل ثقافات الشعوب وحضاراتها وقيمها حول مواردها.

التعليق