د.أحمد جميل عزم

طالب المدرسة الذي سيكتب "النتوقراطية"

تم نشره في الأربعاء 30 أيار / مايو 2018. 11:04 مـساءً

سألت قبل سنوات المفكر الأميركي، جون سبيزيتو، وهو متخصص بالإسلاميات، ويدافع عن العولمة أيضاً، عن معنى انتشار الفكر الطائفي والعرقي والقبلي في مرحلة العولمة، فقال إنّ كل مرحلة تحول حضاري عالمي كبير، يرافقها خوف من المجهول الكبير، وارتداد نحو الروابط العائلية والدموية. الآن تبدو هذه فكرة شائعة. في مقال وولتر رسل ميد، في عدد شهر آيار/ مايو  - حزيران/يونيو 2018، من دورية فورين أفيرز، بعنوان "التحول الكبير" فكرة شبيهة، وبأنّ ما يحدث الآن هو حالة اضطراب كالتي صاحبت الثورة الصناعية. وتنشر المجلة أيضاً مقالا بعنوان "العولمة في تراجع"، والواقع أنّ بعض التفكير، يمكن أن يشير إلى أنّ الجزء الأهم من عصر العولمة ربما لم يبدأ بعد.

إحدى القواعد المستقرة في علم الاجتماع أن أي اختراع مادي لا تبرز آثاره الاجتماعية والثقافية إلا بعد حين؛ فاختراع السيارة المادي أدى إلى تغيير في المجتمع، بدءا من مكان السكن، إلى النشاط اليومي، وهذا غيّر العلاقات بين الأقارب، والناس، وأوجد ثقافة واقتصادا جديدين. وكان اكتشاف المصانع سببا لنشوء مجتمعات جديدة كاملة، بفكر وأخلاق وعادات جديدة. ولكن ربما الأهم من هذه القاعدة، أنّ هذه المجتمعات تبلور مع الوقت أيديولوجيات وفلسفات وقوانين ومؤسسات جديدة، انعكاساً لتحديات التغير المادي. 

ربما لم يطور العالم بعد فلسفات وقوانين التعامل مع العولمة، فلا زالت قوى العولمة تغير العالم وتتحرك في كل مكان. وعلى سبيل المثال، بقدر ما كان العالم يتحدث عن أثر ما نتصفحه على الانترنت علينا، فإنّه وكما يقول ميد، مع الوقت أصبح الانترنت يتصفحنا (يجمع معلومات عنا ويحللنا ويقرأنا)، أكثر مما نتصفحه.  

كما يلاحظ محرر الدورية، جدعون روز، فإنّ مقولة نهاية التاريخ (التي تنبأت في التسعينيات انتصار الليبرالية والسوق الحرة والديمقراطية عالميا)، سقطت، وبدلا منها هناك الآن صراع عالمي على تطوير أيديولوجية للعولمة.

تشير مقالات العدد المذكور، إلى تراجع الديمقراطية عالمياً، حتى في الولايات المتحدة الأميركية، وعدم انتصار نظام السوق الحرة الليبرالية عالمياً، كما كان متخيلاً في التسعينيات. وبالعكس يوجد الكثير من الاضطراب الآن في العالم.  

يستخدم ميد، تعبير "القوة والمرونة في "اللانظام الخلاق للمجتمع الحر"، ليعبر عن تفاؤله للوصول لتكيف إيجابي مع الاضطراب الراهن.

لقد أنتجت الثورة الصناعية موجة من الاستعمار والحركات القومية الدموية الفاشية والنازية، قبل أن يطور (أو يتبنى) العالم أيديولوجيتين كبيرتين، هما الرأسمالية والاشتراكية للتكيف مع تلك المرحلة، وقد استُغِل الدين والهويات الفرعية في الاستقطاب بين "المعسكرين". وهذا يعني أمرين، أولهما أنّه ليس بالضرورة أن تنشأ أيدولوجية وحيدة، بل عدة أيدولوجيات متصارعة.  وثانيهما، أنّ الهويات والأفكار الفرعية والآتية من الماضي لا تختفي تماماً، بل قد تدخل حالات وتكيف، وتحول، وكمون. 

لا يقتصر العداء للعولمة، والانفتاح، على المجتمعات الأقل تقدما، والأقل ديمقراطية، بل من المجتمعات الصناعية والديمقراطية، مثل بريطانيا (التي خرجت من الاتحاد الأوروبي)، وإيطاليا، وهنغاريا، وبولندا، وحتى الولايات المتحدة بقيادة ترامب. وكما يقول ميد، تراجعت ثقة الناس بالتكنوقراط. ويقول ميد إنّ الولايات المتحدة قد تمر بعقود من التخبط والاضطراب، بينما "تناضل لفهم ثم للإمساك بقواعد مجتمع المعلومات الناشئ".

ما يزال لا توجد خطة، أو فلسفة، أو قواعد، تنظيرات، وتعاليم، لكيفية التعامل مع العولمة، (كما حدث مع الثورة الصناعية في القرنين التاسع عشر والعشرين)، وبحسب ميد، من سيكتب هذه الكتب هم غالباً لا يزالون الآن في المدارس الإعدادية. 

هذه الفكرة أنّ العولمة لم تنل حظها من الفهم والسيطرة بعد، تعني أنّه بمقدار ما في العولمة من فرص وأخطار وكوارث، بقدر ما يمكن لكثير من شعوب العالم التفكير بأفضل طريقة للتعامل مع العصر القادم، والخروج من الانبهار والانقياد والرفض للعولمة، للتفكير بفلسفة متكاملة، إن كان هذا ممكناً.

في العام 2002، صدر كتاب بعنوان Netocracy، وقد كتبت عنه واستخدمته مراراً منذ ذلك العام، مترجماً العنوان إلى "النتوقراطية" (على غرار الديمقراطية، والبيروقراطية، و..إلخ)، وربما يمكن الآن القول بأن فلسفة النتوقراطية الشاملة لم تكتب بعد، ومن يستطيع الإسهام الناجح في كتابتها سيكون أكثر نجاحاً في المستقبل.       

التعليق
› ان الاّراء المذكورة هنا تعبر عن وجهة نظر أصحابها ولاتعبر بالضرورة عن اراء جريدة الغد.
  • »طالب المدرسه الذي سيكتب ؟؟؟ (يوسف صافي)

    الخميس 31 أيار / مايو 2018.
    شرحت وأسهبت استاذ عزم والله نسال من اسمك نصيب حتى نلج وإياك والقارئ الكريم الى أسباب هذا الإنتقال من اسم لمسمّى جديد من نظريات وان اختلفت شكلا تقاطعت بمخرجاتها بعدم تلبية متطلبات الشعوب لاوبل واكبها الحروب والفتن وبؤر التوتر والعنف ناهيك عن الإنهيارات الإقتصاديه وماالخ من تنامي التطرف وتفشي العصبيات العرقيه حتى في دول المنشأ واو الرواد في ترويجها ومن صاغ قوانينها بالرغم من صياغتهم قانون حمايه في وجه مخرجاتها ؟؟؟؟ وكما اشرت حول العولمه بعد فشل ماسبقها ؟؟؟؟ وهاهم يضعون العراقيل والقوانين مستشرفين آثار النتوقراطيه على عدم عدالة قوانينهم التي صيغت وفق مصالحهم وتحت مسميات مزركشه وان توائمة مع منظومتهم المعرفيه في الغرب المبنيه على الحسابات الماديه والهوى المصلحي الرغائبي قد تجدها غير متوائمه مع المنظومات المعرفيه للغالبيه من المجتمعات العالميه (وهذا سر العنف وبؤر التوتر مايعرف بصراع المعايير)؟؟؟ وحتى لانطيل انظر الطفرة (الربيع العربي) التي هبّت في المنطقه وإتساعها الناتج عن تقنية التواصل الإجتماعي بعد ان تجاوزت الحدود ومطبّاتها ؟؟؟؟ وما زاد سعارهم عندما شعروا بوجهة بوصلتها نحو العداله الإلهيه حيث فشلت نظرياتهم الدنيويه حتى أغرقوا المنطقه في حرب المصالح القذره وما زاد الطين بلّه أحاكوا ثوبها من نسيج العرقيه والمذهبية والطائفيه الذي من الصعب على النتوقراطيه تجاوزه ؟؟؟ وفي الجانب الآخر المعلن من سياسة الغطرسه وصنّاعها (لوبي المال والنفط والسلاح) عن انكفاء اللبراليه بكل مخرجاتها وفق تغريدات قائد اروكسترا سياسة الجنون فنون "مستر ترامب " الذي بدأ في بناء الحواجز الإقتصاديه والإجتماعيه من جديد (تهديد الصين بسحب الإستثمارات [email protected] كما قانون الهجره وبناء الجدار مع المكسيك ) ؟؟؟ ناهيك عن سياسة من ليس معنا فهوضدنا ولاعشاء مجاني في البيت الأبيض "حكلي تحكلك دفعا واوقبضا" ؟؟؟ وماجرى لمدير الفايس بوك سينال تويتر وجوجل وهكذا دواليك ؟؟؟؟؟؟؟؟؟؟؟