لن يكون بالإمكان خداع كيم مثل القذافي

تم نشره في الثلاثاء 5 حزيران / يونيو 2018. 11:00 مـساءً
  • رجل يمر أمام صورة للزعيم الليبي معمر القذافي معروضة داخل مكتب التعاون الاقتصادي الليبي في سيول في العام 2010 – (أرشيفية)

ترجمة: علاء الدين أبو زينة

دوغ بانداو* - (فورين بوليسي) 30/5/2018

دخلت القمة التي تم التبشير بها كثيراً بين الولايات المتحدة وكوريا الشمالية حالة من عدم اليقين؛ فأنت لا تعرف ما إذا كانت خطط عقدها قد توقفت أو استؤنفت مرة أخرى حتى تحقق في اللحظة نفسها. وقد تم قبول الدعوات، وإلغاؤها، وإعادة قبولها؛ وتم إرسال خطابات؛ وإطلاق التغريدات في الأثير.

الآن، يبدو أن القمة المرتقبة عادت مرة أخرى. لكن العديد من المراقبين يخشون عودة إلى مواجهة المبارزة الثنائية التي حدثت في الخريف الماضي بين الرئيس الأميركي دونالد ترامب والزعيم الكوري الشمالي كيم جونغ أون، مع إمكانية حقيقية لنشوب حرب. وإذا حدث ذلك، فإن اللوم سيقع في معظمه على إدارة ترامب. كانت اللغة الخطرة التي خرجت من البيت الأبيض -وخاصة مناقشة "نموذج ليبيا" للمحادثات- هي التي جعلت الكوريين الشماليين غاضبين ومنزعجين. وبالنسبة لبيونغ يانغ، تعد هذه اللغة تهديداً ضمنياً -وعلامة على أن الولايات المتحدة لا يمكن الوثوق بها.

في الحقيقة، حدث ما يكفي لتبرير عقد الاجتماع. فقد دمرت كوريا الشمالية موقعها للتجارب النووية تحت الأرض، وأطلقت سراح ثلاثة سجناء أميركيين، وعقدت قمتين إيجابيتين مع الرئيس الكوري الجنوبي مون جاي-إن، ودعت مدير وكالة الاستخبارات المركزية آنذاك، ووزير الخارجية الحالي، مايك بومبيو، إلى زيارة بيونغ يانغ.

وبالإضافة إلى ذلك، لا يريد الكوريون الشماليون أن تتعثر القمة. فبالنسبة لبيونغ يانغ، سيكون من السهل نسبياً تأكيد الهدف العام المتمثل في نزع السلاح النووي، وتحديد عدد قليل من الأشياء الممكن إنجازها، ووضع تفاصيل عملية متابعة دبلوماسية لمناقشة إزالة الترسانة النووية لكوريا الشمالية. وسوف يكون المدى والسرعة اللذان ستتحرك بهما الحكومتان موضوعاً للتخمين. ومع ذلك، فإن مثل هذه النتيجة ستكون جديرة ببذل الجهد، وسوف تخفف التوترات في الوقت نفسه، وتحد من سلوك كوريا الشمالية المهدِّد -والأهم من ذلك أنها ستعمل على تهيئة الفرصة لإجراء المزيد من الإصلاحات المرحلية.

لكن العقبة الكبرى أمام كل هذا كانت الحديث عن ليبيا.

اشتكى مسؤولو الإدارة من كلمات الشمال الغاضبة والإحجام عن حضور اجتماع تحضيري في سنغافورة. لكن هذه التصرفات الكورية الشمالية جاءت فقط بعد إشارة الإدارة إلى النموذج الليبي للمفاوضات النووية، مدعومة بتهديدات بالقيام بعمل عسكري إذا لم تقبل كوريا الشمالية مطالب الولايات المتحدة. وحتى بومبيو، ألقى باللوم على ما يبدو على مستشار الأمن القومي جون بولتون عن الانهيار.

كان بولتون، المتشدد العنيد والبيروقراطي المتمرس في الطعن في الظهر، قد أعلن بشكل علني أن النموذج لنزع السلاح النووي يجب أن يكون حالة ليبيا في العام 2003 -بشكل أساسي، أن تقوم كوريا الشمالية بحزم أسلحتها ومرافقها في صناديق وإرسالها إلى أميركا.

على الرغم من أن الرئيس الأميركي سعى على ما يبدو إلى التقليل من شأن تعليقات بولتون، إلا أن المطاف انتهى به إلى التهديد بتغيير النظام وشن الحرب على كوريا الشمالية. وفي خضم مناقشة مشوشة إلى حد كبير حول ليبيا، قال ترامب: "إنك إذا نظرت إلى ذلك النموذج مع القذافي، فإنه كان هلاكاً كلياً. لقد ذهبنا إلى هناك لضربه. ...هذا النموذج سوف يحدث إذا لم نعقد صفقة، على الأرجح" مع كيم. وجاء بعد ذلك نائب الرئيس ليقول الكثير من الشيء نفسه، معلناً أن كوريا الشمالية يمكن أن "ينتهي بها المطاف مثل النموذج الليبي المنتهي إذا لم يبرم كيم جونغ أون صفقة".

كان هذا مثالاً مشكوكاً فيه، لأن ترسانة كوريا الشمالية أكثر تعقيداً بكثير مما كان لدى ليبيا، بما في ذلك وجود أسلحة نووية مكتملة فعلاً، فضلاً عن مخزون كبير من القذائف والأسلحة الكيميائية والبيولوجية. كما أن ليبيا لم يكن لديها هدف مغرٍ لتضربه مثل سيؤول في نطاق وصول الصواريخ.

لكن مثل هذه اللغة هي أيضاً كارثة بلاغية -ربما واحدة تعمد استخدامها جون بولتون ونائب الرئيس، مايك بينس. كان نموذج ليبيا ماثلاً كل الوقت في عقل الكوريين الشماليين. وعندما زرت بيونغ يانغ في حزيران (يونيو) الماضي، أخبروني بأن تجربة ليبيا تشرح السبب الذي يجعل من امتلاك الأسلحة النووية ضرورياً -وهو شيء كرره الكوريون الشماليون أمام العديد من الزوار الآخرين. وتحدث المسؤولون هناك عن القضاء على "السياسة العدوانية" و"التهديدات العسكرية" و"التهديدات النووية" الأميركية. لكن التجربة الليبية تعني أن التطمينات الكلامية والضمانات الورقية لن تقنع كوريا الشمالية بالتخلي عن أسلحتها.

يدرك الكوريون الشماليون جيداً أن التاريخ لم ينته بتخلي الزعيم الليبي معمر القذافي عن أكثر أسلحته أهميته. فقد أعلن الرئيس الأميركي جورج دبليو بوش في العام 2003 أن "حسن النية الليبي سيعود". وعلى مدى ثماني سنوات، أمطرت الولايات المتحدة وأوروبا الزعيم الليبي بالزهور وبالهمسات الحلوة -وإنما التي بلا معنى- في أذنه. وفي أحد الأمثلة الأكثر شهرة، تعشى السيناتورات الأميركيون، جون ماكين، وسوزان كولينز، وليندسي غراهام، وجو ليبرمان مع القذافي في طرابلس، وناقشوا إمكانية نثر المساعدات لمكافأته على معارضته تنظيم القاعدة.

ولكن، بعد ذلك اندلعت ثورة شعبية في ليبيا في العام 2011، واستخدم الغرب مبرر التدخل الإنساني لشن حملة لتغيير النظام هناك بثمن رخيص. ونتيجة لذلك، واجه الزعيم الذي كان ذات مرة رجل ليبيا القوي موتاً علنياً بشعاً ومروعاً بشكل خاص. وكانت بيونغ يانغ تراقب. وكما كتبت وكالة الأنباء الرسمية الكورية الشمالية، فإن "تفكيك البنية النووية الليبية" الذي روجت له الولايات المتحدة كثيراً في الماضي، تبين أنه نمط من العدوان؛ حيث تقوم أميركا باستدراج البلد المعنيّ بكلمات معسولة مثل "ضمان الأمن" و"تحسين العلاقات" ليقوم بتجريد نفسه من السلاح، ثم يتم ابتلاعه عن طريق القوة". ويقول وليام توبي، العضو في إدارة الطاقة في إدارة جورج دبليو بوش، بطريقة أكثر بساطة: "لقد تم تجريفهم".

لقد استنتجت كوريا الشمالية الخلاصات الواضحة فحسب. وفي العام الماضي، شرح دان كوتس، مدير الاستخبارات القومية الأميركية، كيف أن كيم "راقب، كما أعتقد، ما حدث في العالم فيما يتعلق بالدول التي تمتلك قدرات نووية والنفوذ الذي لديها". وبالنسبة لليبيا، كما قال كوتس، فإن الدرس هو، "إذا كانت لديك أسلحة نووية، فلا تتخل عنها أبداً. وإذا لم تكن لديك، فاحصل عليها".

على الرغم من أن صحيفة "وول ستريت جورنال" حاولت تبرئة بولتون بإيضاح أنه كان يتحدث عن ليبيا في العام 2003، وليس في العام 2011، فإنه لا يمكن فصل التجربتين الليبيتين في أذهان الكوريين الشماليين. فعن طريق تسليم صواريخه وأسلحته النووية، دعا القذافي واشنطن إلى استغلال ضعفه. وحتى لو لم يكن ذلك هو خطة أميركا منذ البداية، فإن واشنطن لم تتردد في الإطاحة بشريكها الجديد. وفي حقيقة الأمر، دعا بولتون -الذي كان مشاركاً في المفاوضات مع القذافي- إلى أن يستهدف الجيش الأميركي الزعيم الليبي.

ذكّر نموذج ليبيا كيم بهشاشته جيشه بمجرد أن يتخلى عن أفضل أسلحته -واستعداد واشنطن للتصرف على هذا الأساس. وكان النائب الأول لوزير الخارجية الكورية الشمالية، كيم كاي غوان، واضحاً حين قال: "إنه في الأساس تجسيد لخطوة شريرة إلى حد فظيع، حتى يُفرَض على دولتنا المجيدة مصير ليبيا أو العراق اللتين انهارتا نتيجة تسليمهما للقوى الكبرى".

يشكل الحديث عن ليبيا بالضبط نوع التهديدات التي كان القصد من قوة بيونغ يانغ النووية أن تحمي نفسها منها. وعلى الرغم من أن ترامب وبنس سعيا إلى تطبيق النموذج الليبي للمفاوضات النووية ضد كوريا الشمالية، فإنه لم يكن بالإمكان فصل تلك السابقة عن الاستخدام اللاحق للقوة العسكرية ضد بلد منزوع السلاح، والذي لم يقتصر الأمر على أنه لم يهدد الولايات المتحدة وأوروبا فحسب، وإنما تعاون معهما أيضاً. وبالحكم من ذلك، فإنه ليس لدى بيونغ يانغ أي سبب للتخلي عن أقوى رادع في حوزتها.

ثمة كارثة دبلوماسية أخرى، والتي أدت إلى المزيد من تسميم المياه. لقد أصبح تخفيف مكامن القلق الكورية الشمالية أكثر صعوبة بعد قيام واشنطن بتمزيق الاتفاق النووي الإيراني، والذي أعقبته مجموعة من المطالب الأكثر قسوة من طهران. وفيما ينطوي على مفارقة، كانت إدارة أوباما قد أملت في أن يكون الاتفاق الإيراني وسيلة لجذب بيونغ يانغ. وعلى سبيل المثال، قالت وكيلة وزارة الخارجية الأميركية في ذلك الحين، ويندي شيرمان، في العام 2015 إن الاتفاق الإيراني "ربما يجعل كوريا الشمالية تفكر مرة أخرى في المسار بالغ الخطورة الذي تتبعه حالياً". ومع ذلك، بمجرد أن مزقت إدارة ترامب الاتفاق، تم إسقاط كل الرهانات.

كانت واشنطن تصر على أن تنزع بيونغ سلاحها بسرعة، قبل أن يتم توزيع أي منافع، وإنما بعد أن تكون وسيلة ضغط الأخيرة قد اختفت. ولكن، ما الذي سيمنع الولايات المتحدة من معاملة كوريا الشمالية مثل إيران؟ وهذا يتضاعف، لأن الاتفاق الكوري سوف يكون ثنائياً فقط وسيكون من الأسهل على الولايات المتحدة إلغاؤه.

بغض النظر عما يحدث في شأن القمة، فإن إدارة ترامب أصبحت عقبة رئيسية أمام منع الانتشار النووي. أولاً، أسقط الرئيس اتفاقاً دولياً يفرض عمليات تفتيش تطفلية ويسيطر على ناشر محتمل للسلاح النووي. والآن، هددت الإدارة محادثات مع بلد ينشر الأسلحة النووية ويقوم بتطوير صواريخ بالستية عابرة للقارات.

لقد سلط ترامب الضوء على كوريا المالية باعتبارها الطرف الأكثر رغبة في الدبلوماسية، والأكثر صعوبة على تشويه السمعة كهدف مناسب لعمل عسكري أميركي. كما أوضح للكوريين الجنوبيين أن الولايات المتحدة، تحت إدارته، هي الدولة الأكثر خطراً وإعاقة للسلام. وجعل من السهل على بكين أن تقاوم أي مطالب أميركية مستقبلية، بما أنه تخلى عن المفاوضات. والخاسر الوحيد الأكيد من لغة الرئيس وقرارته هو الولايات المتحدة نفسها.

 

*زميل رفيع في معهد كاتو. وهو مساعد خاص سابق للرئيس الأسبق رونالد ريغان ومؤلف العديد من الكتب، منها "الحماقات الخارجية: إمبراطورية أميركا العالمية الجديدة".

*نشر هذا الموضوع تحت عنوان: Kim Won’t Be Duped Like Qaddafi

[email protected]

التعليق