سائد كراجة

ليلة إسقاط الحكومة

تم نشره في الأربعاء 6 حزيران / يونيو 2018. 12:02 صباحاً

ليس كافياً أن تعتقد الحكومة -أيُّ حكومة كانت- أنها على حق، ليس كافياً أن تتشدق بالأرقام والإحصائيات، الأهم أن تحترم الدولة والحكومة الشعب، أن تستشعر في كل لحظة من عملها أن الشعب هو مصدر السلطات، وأنها في عملها خادمة له وأن هدفها الأساس ليس تبوُّؤ كرسي السلطة لذاته، بل لتحقيق رفاه الشعب وطمأنته على مستقبله.

قال لي أحد الشباب في مسيرة الاعتصام: لم نسمع من وزير المالية كم سيخفض من النفقات العامة قبل أن يرفع الضريبة ويوسع قاعدة المكلفين، لم يعلن معاليه شيئاً عن وقف الهدر في موارد الدولة التي تتمختر سيارات وهيئات وسفريات، إذا كنت تريدني أن أقف معك لإنقاذ الوطن فيجب عليك أن تكون أمامي تضحي معي وتشد الحزام قبلي.

بادرتني شابة: ليس عليهم أن يفخروا أن معظمنا لا يخضع للضريبة، نحن لسنا فخورين بذلك، عليهم توفير بيئة العمل والاستثمار ليرتفع دخلنا ونشارك بدفع الضريبة، "ما عنا مشكلة بدفع الضريبة"، عنا مشكلة بعدم وجود دخل ندفع عنه الضريبة. استوقفت ثالثاً كان يوزع عبوات الماء بسؤال اعتقدت فيه أني فصيح زماني من يمول شراء قناني الماء؟ ابتسم لي ابتسامة خبيثة وكأنه يقول لي أعرف ما ترمي إليه. وأجاب: اسمع عمو "انتو ابتعدتوا عن شباب الأردن ويمكن بطلتوا تعرفوهم، إحنا عمو بندفع ثمنها من جيوبنا ويمكن عادي بعدها نروح للبيت مشي". في موقع آخر من الاعتصام، بادرني رفيق قديم بقوله: "أنتم المهنيين الأكثر تهرباً من دفع الضريبة، أنا أشكر الملقي أنه جاء بطرفكم لتهتموا بقضايا الوطن".

قبيل منتصف الليل، انتشرت الأخبار عن طلب رئيس الوزراء "ليمثل" أمام جلالة الملك، وبدأت تعليقات بين المعتصمين مثل: "مش مهم الأشخاص، نحن مستمرون"، عندها واجهت بعضهم بالحديث عن تحديات الأردن بسبب اللجوء السوري، وتبعات الربيع العربي وانخفاض ووقف المساعدات العربية والأجنبية والأهم استهداف الأردن ككيان ودولة ومحاولة تصفية القضية الفلسطينية على حسابه، كان وعي الشباب بتحديات الأردن وعياً مميزاً، وكان حرصهم على الوطن واستشعارهم بأهمية الحفاظ على الأمن وعلى الوحدة الوطنية أمراً يدعو للفخر والاعتزاز ويبعث على الطمأنينة.

عنوان تحرك الشباب هو احترام كرامة الشعب والشباب خصوصاً، وإشراكهم في صنع القرار فعلياً، وتحركهم ليس عفوياً بمعنى أن هناك من ينظم ويخطط -كما أعلمني أحد قدامى الحراكيين- ولكن ما يزال تحركهم من دون قيادة سياسية -إن صح التعبير- وهذا الفراغ يمكن أن يملأ بجميع الاحتمالات، وأعتقد أن المصلحة الوطنية تفترض تحركاً سريعاً يضمن وضع خطة قصيرة الأمد تقدمها الحكومة الجديدة حول محاور منها:

- سحب قانون الضريبة وطرحه على الجهات ذات العلاقة من نقابات وجمعيات معنية ومجتمع مدني لتقديم حلول لتوسيع قاعدة المكلفين من منتسبيهم، ومحاربة التهرب الضريبي بينهم، وخلق حوار جاد سريع لتقديم قانون ضريبة عصري لا يركز فقط على الجباية بل على تشجيع بيئة العمل والاستثمار.

- تشكيل حكومة كاملة الولاية والصلاحية تقوم على المؤهلات وليس على المحاصصة؟ يصاحب ذلك الإعلان عن برنامج لضبط النفقات الحكومية بمبلغ واضح معين خلال ثلاثة أشهر تنتهي مع إقرار قانون ضريبة متوافق عليه شعبياً.

- الإعلان عن إجراءات عملية لمحاربة الفساد في دوائر حكومية معروفة بوجود فساد فيها وضبط الفاسدين والإعلان بشفافية عن جميع الإجراءات التي اتخذت في مواجهة الذين صدرت في حقهم قرارات قضائية، ثم تقديم خطة متوسطة المدى للخروج من الأزمة الاقتصادية ومجابهة الظروف السياسية المحيطة.

الملك، في حديثه للصحفيين أول من أمس، كان الأقرب لتقدير دور الشباب واحتياجاتهم، وقد تحدث بلغتهم عندما تحدث عن تقصير الحكومات وعدم وعيها لدورها، ناصرهم في تحركهم السِّلمي الحضاري الواعي الذي فعلاً يجعل المرء -كما قال- يفخر أنه أردني.

حقَّ للأردن أن يفخر بشبابه الحضاري الديمقراطي، ولعل تحرك الشباب يمثل تدشيناً لعصر المواطن الفاعل، المؤثر في القرار الوطني. حقَّ للأردن أن يفخر بالأجهزة الأمنية التي تعاملت مع تحرك الشباب بما يستحق من احترام وحرفية عالية. حقَّ للأردن أن يفخر بقيادته التي ناصرت شبابه ووقفت معهم تقديراً واحتراماً وفخراً، وإنه لأردنٌّ حتى النصر.

 

التعليق