حكومة الرزاز والعقد الاجتماعي الجديد

تم نشره في الأحد 10 حزيران / يونيو 2018. 11:00 مـساءً

د.عدلي قندح

الإجماع على شخص رئيس الوزراء المكلف، الدكتور عمر الرزاز، كبير؛ حيث إنه يحظى باحترام واسع بين شرائح المجتمع ومكوناته كافة، سواء مواطنين أفرادا أم شركات أم مؤسسات مجتمع مدني أم طبقة سياسية أم فعاليات اقتصادية أو اجتماعية.

هذا الإجماع يُحمله مسؤولية كبيرة. وقُرب الرزاز من الشعب والشباب بشكل خاص يمكنه من الاستماع إلى أوجاعهم وآرائهم بانفتاح وقبول واسعين.

ما يحتاجه الوطن في هذه المرحلة حكومة قريبة من الشعب تسمع لصوت العقل والمنطق والتحليل العلمي الدقيق والصحيح، وفي الوقت نفسه تسمع أنين ووجع عامة الناس في مختلف المناطق والمحافظات وخاصة شريحة الطبقة الفقيرة التي لسعتها تبعات السياسات الحكومية وخاصة الاقتصادية منها. حكومة تسمع صوت الطبقة المتوسطة التي لها الدور الأكبر في تحريك عجلة الاقتصاد اذا ما حسن المحافظة عليها وليس كسر شوكتها والضغط عليها.

لا شك أن طروحات وروئ كتاب التكليف تلاقت وتطابقت بشكل كبير ومباشر مع طروحات ومطالب الحراك الشعبي وطروحات مؤسسات المجتمع المدني والنقابات والجمعيات.

فالمطلوب، بعد مضي مائة عام على تأسيس الدولة، هو إطلاق عقد اجتماعي جديد بين الدولة والمواطنين، مبني على أسس سياسية مدنية ونظام اقتصادي إنتاجي، وذلك من خلال إطلاق مشروع نهضة وطني شامل يرتكز على تمكين الأردنيين كافة من خلال تحفيز طاقاتهم الكامنة، عن طريق تجميع الطاقات المكتشفة وإعادة صهرها واكتشاف الطاقات غير الظاهرة وإبرازها. وهذا الأمر يقع على عاتق الجميع من هيئات ووزارات ومؤسسات مجتمع مدني.

هناك توافق عام أن مفتاح الحل للمعضلات التي يواجهها الشباب هو النمو الاقتصادي، لذلك فإن أولى أولويات هذه الحكومة تحفيز النمو الاقتصادي الذي يخلق فرص عمل حقيقية للشباب في مختلف القطاعات الاقتصادية وخاصة غير التقليدية منها؛ أي تلك التي استحدثتها الثورة الصناعية الرابعة.

إن النهضة الوطنية الشاملة لا يمكن أن تتحقق من دون أن تعصف بالكثير من المسلمات السياسية والاقتصادية والاجتماعية القائمة، على أن يكون العصف بتلك المسلمات وفقا لتوافق وطني شامل، وهذا يتطلب إجراء حوار وطني شامل، تبدأ بعده انطلاقة المملكة من جديد بعد مائة عام على تأسيسها.

وحتى تكون النهضة حقيقية وتقوم على أسس متينة يجب أن يكون نتاج الحوار الوطني الشامل مرتكزاً على إجراء مراجعة شاملة لبعض مواد الدستور التي تفتح المجال واسعاً للتغيير الشامل وللانطلاقة الجديدة للمملكة، ويليها مراجعة شاملة لقوانين الانتخاب والأحزاب ولمجمل القوانين الاقتصادية، وخاصة تلك التي تمس حياة وجيب المواطن مباشرة، مثل قوانين الضريبة بأنواعها المختلفة.

ولا بد أيضا من مراجعة منظومة العمل الإداري الحكومي ودور المؤسسات الوطنية من خلال دمج بعضها وإلغاء بعضها الآخر. ولا يجوز أن يكون هناك تمييز بين مناطق المملكة فنعطي إعفاء لشركة داخل سور وحرمان الإعفاء نفسه عن شركة أخرى كونها خارج ذلك السور لحجة أو لأخرى.

المنظومة الضريبية في المملكة يجب أن تتصف بالعدالة فتنصف جميع الأطراف التي تتأثر بها من خزينة وقطاعات عمل وعمال ومواطنين، بحيث لا تتغول مصالح جهة على أخرى.

أساس النهضة يجب أن يكون بالانتقال من مفهوم الدولة الريعية التي تعتمد على المساعدات والمنح والهبات من القطاع العام، إلى الدولة الإنتاجية التي يقودها قطاع خاص كفؤ لا يعتمد على علاقة زبائنية مع الدولة تعزز الفساد.

ولتحقيق ذلك، لا بد من تكبير حجم القطاع الخاص في الاقتصاد وتقليص حجم ودور القطاع العام في الاقتصاد من مستويات تصل الآن إلى حوالي 40 % من الاقتصاد الأردني إلى مستويات مشابهة للدول المتقدمة، تمكنه من القيام بدوره الصحيح.

فهذا من شأنه تخفيف العبء عن خزينة الدولة والإلقاء بالحمل والمسؤولية على القطاع الخاص. وحتى يقوم القطاع الخاص بدوره في الاقتصاد لا بد أن يلقى أشكال التحفيز والتشجيع والاستقطاب كافة ليقدم منتجات وخدمات جديدة بأسعار منافسة ليس فقط على المستوى المحلي وإنما الإقليمي والعالمي، فتنعكس إيجابيا على شرائح المواطنين كافة. على أن يتصاحب ذلك بخلق شبكة أمان اجتماعي تكون من مسؤولية الحكومة والقطاع الخاص ومؤسسات المجتمع المدني تحمي شريحة المجتمع الضعيفة. وبذلك فنحن نتحدث عن اقتصاد سوق اجتماعي إنتاجي فعال.

الشعب الأردني نزل للشارع وأرسل إشارات مباشرة وغير مباشرة، ورأس الدولة، الملك عبدالله الثاني، كان فخوراً بذلك، وأخذ المبادرة فأقال الحكومة وكلف رئيساً يحظى بقبول واسع وخبرة واسعة.

فإذا نجح الرئيس المكلف في تشكيل حكومته بعناصر تؤمن بالتغيير يبقى الجانب الآخر الذي يحتاج إلى إصلاح، وهو إجراء تعديلات على بعض جوانب التشريع الذي يمكّن المملكة من إيجاد عدد قليل وفعال من الأحزاب بقوانين انتخاب وأحزاب عصرية.

الفرصة كبيرة والجميع متهيئ للتغيير المستدام الذي طال انتظاره. والكل يعرف ماذا يحتاج الأردن بهذه المرحلة: عقد سياسي واجتماعي واقتصادي جديد. أطلق الشعب الأردني صفارة الإنذار وكانت البداية للعمل الجاد والجدي في التغيير المستدام بإقالة الحكومة وتكليف رئيس مؤمن بالتغيير.

الشعب يريد التغيير، والملك يريد التغيير، والرئيس المكلف يؤمن بالتغيير، فلا بد للتشكيلة الحكومية أن تكون مقتنعة بالتغيير وأن تقوده وأن تكون قادرة عليه. حمى الله الأردن وقيادته وشعبه العظيم.

التعليق