ماجد توبة

ما الذي ينتشل الأردنيين من الأزمة؟!

تم نشره في الأحد 10 حزيران / يونيو 2018. 11:05 مـساءً

ما الذي يمكن أن ينتشل الأردنيين اليوم من الأزمة الخانقة التي تعصف على غير اتجاه، ودفعت الناس للتظاهر ودبّ الصوت والمطالبة بالتغيير؟ وهل تكفي استقالة حكومة وقدوم جديدة، حتى بمواصفات رئيسها ونظافة يده، لتحقيق هذا الانتشال وتغيير "المود" باتجاه التفاؤل بالمستقبل والقدرة على الخروج من الأزمة؟
بطبيعة الحال؛ لا أحد يتوقع أن تحقق الحكومة، أي حكومة بهذا الظرف الصعب، المعجزات بحل الأزمة المركبة، اقتصاديا ومعيشيا واجتماعيا، على المدى القصير، فذلك يحتاج لصبر وتأسيس وأن نزرع اليوم لنحصد غدا، وأن يكون هذا التأسيس وفق آليات وسياسات ورؤى وشخوص مسؤولين مختلفين، يؤمنون حقا بأنه لم يعد هناك متسع من الوقت أو فرصة للتهرب من مسؤولياتهم.
تغيير النهج كان الشعار الأبرز في هتافات المحتجين عند الدوار الرابع وباقي المحافظات، بل هو الشعار السياسي الأهم خلال العقود الثلاثة الماضية، والتغيير المقصود بالنهج ليس فقط الخاص بآلية تشكيل الحكومات، على أهميته ومحوريته بأي إصلاح حقيقي، بل هو أيضا بنهج إدارة الشأن العام وشؤون الدولة ومصالح الناس. وإذا كانت حكومة الرزاز قد جاءت وفق النهج ذاته القديم بالتشكيل، فإن الفرصة أمامها، بل مطلوب منها ومن باقي مؤسسات الدولة، عدم التلكؤ أو التهرب من تغيير نهج إدارة الشأن العام.
من هنا؛ قد يكون هذا هو السبيل الصحيح لانتشال الناس من ظلال الأزمة الخانقة، واستعادتهم الثقة بالدولة ومؤسساتها ومسؤوليها، وبمستقبلهم، ما يمكنهم ويدفعهم لتحمل الصعاب وتحديات المرحلة، والانخراط الإيجابي بالتغيير والتقدم للأمام.    
لا شك أن طبيعة التشكيلة الحكومية المرتقبة مهمة بالنسبة للناس وللعمل وفق منطق التغيير المنشود، لكنه لن يكون كافيا وحده، وقصة التغيير والارتقاء لمستوى المرحلة أكبر من قصة حكومة وحدها، وتحتاج لعملية متكاملة، وعلى مختلف أطراف ومؤسسات الدولة مسؤوليات بإنجاح التغيير والانطلاق بوثوق للمستقبل.
المدخل الاقتصادي والمعيشي أساسي هنا أيضا فيما يطلبه الناس بالمرحلة الجديدة. لن يتوقع أحد إنهاء البطالة ولا تقليص رقعة الفقر ورفع الرواتب ولا سد العجز والمديونية بضربة ساحر سريعة، لكنهم بحاجة لرؤية اقتصادية ومالية متماسكة و"صديقة اجتماعيا" ومتكاملة تؤسس لانطلاقة مختلفة.
ومطلوب تكريس شراكة حقيقية بين السلطات، بين التنفيذية والتشريعية، ومستندة للحوار والوصول لتوافقات وطنية، بعيدا عن نهج الاسترضاء والرضوخ للابتزاز، وبعيدا عن نهج متبع ونخر طويلا يتمثل بعقد الصفقات بين الحكومات والمجالس النيابية لتمرير ثقة أو موازنة أو تشريع ما، أو العكس باستخدام السلطة التنفيذية لنفوذها وسطوتها لتطويع النواب وتمرير ما تريد، لا ما تريده المصلحة العامة!
تكريس الشراكة ليس مهمة حكومة فقط، بل هي مهمة الكامل السياسي والدولة، ولكن الدور الأبرز سيكون على الحكومة، غير المقبول منها إعادة إنتاج ما سبق من آليات إدارة مشوهة للعملية السياسية. تحضرني في هذا المقام، وبما ينفع للمقارنة، الحملة الرسمية الناجحة والمهمة لتجفيف الاعتداءات الواسعة السابقة على مصادر المياه، وتعامل مؤسسات الدولة كلها، بخطاب واحد وحازم وبدعم واسع من الرأي العام للتصدي لتلك المشكلة الخطيرة.
ما يضمن ثقة الناس ودعمهم لأي سياسة حتى لو كانت قاسية هو الشفافية واللعب فوق الطاولة بين مختلف المكونات السياسية، لا اللعب تحتها أو في الدهاليز، وليكن الرأي العام هو الحكم والمقوّم والضابط لأصول اللعبة؛ سواء بين الحكومة والنواب أو بينها مع أي قطاع.
أما الحريات العامة وقداستها والحقوق الدستورية للمواطن فلا تنازل عنها، فالمتمتعون بالحرية والكرامة ومن لهم صوت هم وحدهم من يشد بهم الظهر وتخاض بهم الصعاب، ولتدافع الحرية والمستفيدون منها، وهم أغلبية الناس، عنها (أي الحرية) وضد المتجاوزين عليها وعلى حقوق الآخرين باسمها!
كل ذلك وغيره، يجب أن يكون تحت مظلة أساسية هي سيادة القانون والعدالة والمساواة، وتكريس مبدأ المحاسبة للمسؤول، وعدم المهادنة بذلك، حتى لو تعدلت الحكومة أو تغيرت كل شهر مرة!

التعليق