(متمسح)!

تم نشره في السبت 23 حزيران / يونيو 2018. 11:04 مـساءً

ونحن على مقاعد الدراسة، أذكر أن أحد الطلاب كان (متمسح) أي أنه مثل الحائط، وحين كان يضع عريف الصف أسماء المشاغبين ويأتي الأستاذ لمعاقبتنا، كان معظم الطلاب يبكون بعد أن يلخمهم الأستاذ الخماسي اللي يحبه قلبك، باستثناء هذا الطالب المتمسح كان يبتسم بوجه الأستاذ بعد كل خماسي، وأذكر أنه في إحدى المرات استفز الأستاذ بابتسامته فضربه الأستاذ بالإضافة للخماسي عدة شلاليت، إضافة إلى أنه كسّر العصا على جنابه، لعله بعد كل ذلك العقاب يشعر أو يتأثر، ولكن لا حياة لمن تنادي، وأصيب على إثرها الأستاذ بشد عضلي نقل بعدها الى المستشفى للعلاج بينما استمر ذلك الطالب بتوزيع ابتساماته علينا!
عاد الأستاذ بعدها لمزاولة عمله، وحين كان يجد اسمه بين أسماء الطلاب المشاغبين لم يكن يعاقبه، فقد غسل يديه منه باكرا، وتيقن أن الإصلاح المالي وسد العجز والمديونية، وفوز الأردن بكأس العالم، وحجب النواب الثقة، وطبخ المنسف على شعيرية، أسهل بكثير من إصلاح ذلك الطالب!
كان (متمسح) لدرجة أنه إذا قمت بالمناداة عليه: يا ثور، أو يا بغل.. يبتسم وكأنك ناديت عليه: يا أستاذ، أو يا بيك!
خوفا من أن يصاب المعلمون بالجلطة كانوا يضعون له علامة النجاح حتى لا يبقى في وجوههم، وأذكر أنه حين تخرج من المدرسة أقاموا له حفلا خاصا، وأعطوه مجموعة من الهدايا، بشرط أن لا يعود لزيارتهم أو حتى يسلك الشارع القريب من المدرسة!
تقدم لامتحان الثانوية العامة أكثر من عشر مرات بدون فائدة، وفي كل مرة كان يعود لمنزله ومعه النتيجة أنه راسب كان يحضر معه الحمص والفول حتى يفطر، من يرسب بفحص السواقة أو فحص الدم تنسد شهيته عن الطعام لثلاثة أيام، بينما ذلك المتمسح كانت تنفتح شهيته حتى بعد رسوبه بامتحان يحدد مستقبل حياته!
على إثر عدم مبالاته، أصيب والده بجلطة دماغية، بينما والدته طار عقلها وأصيبت بالزهايمر، وجميع الإخوة والأخوات أصبحوا من مراجعي مراكز السكري والضغط بشكل دوري!
توجه بعدها لسوق العمل، وعمل مع إحدى شركات الضيافة، وبعد أن أرسلته الشركة الى أحد بيوت العزاء كان كلما قام بصب القهوة لأحد الحضور في هذا الموقف الجلل يوزع ابتساماته المعهودة، وكأنه في حفل خطوبة وليس في بيت عزاء، فاستشاط أقارب المرحوم غضبا وتم طرده وباقي كادر الشركة، ولولا تدخل العقلاء لنام تلك الليلة في العناية الحثيثة لأن أحد أبناء المرحوم مدرب كمال أجسام. بعد فصله من الشركة عمل سائق تاكسي، وفي إحدى المرات ركبت معه من أمام إحدى المحاكم إحدى السيدات، ما إن دخلت السيارة حتى اتصلت مع أمها لتبلغها أنها تطلقت الآن وهي تبكي بحرارة، صاحبنا لم يقدر الموقف جيدا وقام بتشغيل أغنية محمد عبده (الأماكن كلها مشتاقة لك). حركت الأغنية مشاعرها وزادت من بكائها فقد ذكرتها بحنين الماضي، ومن شدة غضبها ضربته على رأسه لتجعل كل المستشفيات مشتاقة له!
طرد من جميع الوظائف التي عمل بها، حتى ترشح للانتخابات وفاز، ومع أن تصريحاته أصبحت تستفز الشعب بشبابه وعجائزه ومرضاه، إلا أنها الوظيفة الوحيدة التي استمر فيها حتى الآن؟!!

التعليق