جهاد المنسي

المهنة.. محلل سياسي!

تم نشره في الثلاثاء 26 حزيران / يونيو 2018. 11:04 مـساءً

أتاحت منصات التواصل الاجتماعي للجميع فرصة الوصول بشكل أوسع للناس والتواصل معهم، وتبادل حوارات سياسية واقتصادية واجتماعية ورياضية وثقافية وإنسانية، والبعض استطاع التعامل مع تلك الميزة بشكل محترف، ومن خلالها استطاع توسيع شبكة علاقاته على كل الأصعدة.
البعض الآخر، وهم للأسف كثر، امتطى منصات التواصل الاجتماعي وسيلة للظهور فقط؛ حيث اعتقد أنه قادر من خلالها على ممارسة مرض حب الظهور، وأن أي شخص بمجرد ظهوره عبر (فيسبوك مباشر) يمكن له أن يحلل، ويتوقع، ويفسر ما يجري باعتباره محللا سياسيا واقتصاديا، وأنه مسموح له، وفقا لذلك، أن يقول ما يريد بالشكل الذي يريد وأن يمارس كل أمراضه النفسية وعقده الفكرية.
المشكلة أن أولئك يقتحمون بلا استئذان المتصفح الأزرق، قافزين في وجهك بمجرد النقر على زر الدخول لـ(فيسبوك)، مقدمين أنفسهم كمحللين سياسيين، حتى أنهم أشعروننا أن المحلل السياسي مهنة من لا مهنة له، وأن ميزة التحليل السياسي تنطبق عليهم لمجرد ظهورهم عبر (فيسبوك) فيقومون بما يحلو لهم من شتم وابتكار أكاذيب جديدة وإعادة استحضار كذبات قديمة، فلا فكر ولا منطق في الكلام ولا بيان ولا حقائق.
المتابع الجيد، يستطيع منذ الدقيقة الأولى ملامسة ضحالة بعضهم وخوائهم الفكري وفراغهم الإيديولوجي، ومنذ الحرف الأول الذي ينطقون به تكشف حجم العقد النفسية التي يرزح تحتها أولئك الذين يقدمون أنفسهم للناس باعتبارهم محللين سياسيين أو اقتصاديين.
ولأننا في الأردن نعشق تقليد بعضنا بعضا، فما إن يطل علينا بعض أولئك الطفيليين عبر المباشر في (فيسبوك) حتى يتهافت الآخرون لتقليدهم، فيصبح المتصفح الأزرق عامرا بتلك الوجوه المعقدة التي لا تمتلك معلومة وتبث سموما فكرية في المجتمع.
المشكلة لا تكمن فقط في ممارسة أولئك هذا الدور، وإنما في حجم الناس الذين يمكن أن يرددوا إشاعاتهم من دون قصد، فالسواد منا ثقافته سماعية، ولذا نرى أغلبنا يقول سمعت!، وقال لي فلان!، ونادرا ما نصدف من يقول قرأت، أو رأيت وثائق ومستندات.
ولأن الغالب منا لا يقرأ ولا يعيد المعلومة لمصدر أو يستوضحها من وسيلة إعلام موثوقة، تصبح المعلومة غير الدقيقة التي قالها شخص غير معروف ظهر عبر (فيسبوك) وقال ما قال واتهم من اتهم، تصبح تلك المعلومة عند بعض المستمعين حقائق يتناقلها البعض، ويمكن أن يتحمس آخرون فيقومون بمشاركة الرابط على صفحاتهم فتصبح الأمور أكثر تعقيدا، وتصبح الإشاعة التي انطلقت من معقد فكريا أو نفسيا أو مأزوم إقليميا أو مسكون بسواد طائفي أو عنصري أو جهوي أو عشائري حقيقة يتناقلها الناس.
المؤسف أن تلك المعلومات التي يقدمها من يقولون عن أنفسهم إنهم محللون سياسيون، والمعلومات المغلوطة التي يتحدثون بها تصبح كالسموم في المجتمع، وقد تتفاجأ بأن رجل دولة أو نائبا أو عضو مجلس أعيان أو حزبيا أو سياسيا يتحدث بالمعلومات ذاتها غير الدقيقة، فتصبح الحقيقة غائبة ومن يريد معرفتها وسط غابة الإشاعات تلك يتعين عليه البحث عن إبرة وسط كومة قش.
الأصل أن نحصن أنفسنا من أولئك المتطفلين، وأن لا نردد إشاعات غير دقيقة تحت عنوان سمعت وقال لي فلان، ولا نرد ما يقال قبل أن نتأكد يقينا أن ذلك حقيقي وليس إشاعة، وأن الشخص الذي قدم لنا تلك المعلومات يملك مؤهلا ثقافيا وسياسيا ومعرفيا يجعله محللا سياسيا، وليس مجرد شخص أعجبته فكرة أن يصور نفسه عبر جهازه الخلوي الخاص وأن يظهر عبر فيسبوك متحدثا لنا بخزعبلات غير حقيقية.
لست ضد أي شخص يخرج متحدثا لنا عبر المتصفح الأزرق بمعلومات ذات قيمة وفائدة وحقيقية، ولست ضد أن نجعل من منصات التواصل الاجتماعي ساحة حوار حقيقي تقوم على التواصل وتبادل الأفكار والمعلومات، وإنما أراني أقف بوجه أولئك الذين يريدون تحويل المتصفح الأزرق لساحة هجوم على الناس وتقديم معلومات مضللة لهم.

التعليق