جميل النمري

الكارثة الإنسانية على الطريق

تم نشره في الجمعة 6 تموز / يوليو 2018. 12:08 صباحاً

الأردن هو الدولة الوحيدة التي تعمل على مدار الساعة بجهد مخلص لتدارك الكارثة في الجنوب السوري. سياسيا يواصل وزير الخارجية الاتصالات، وهو حاول أن ينتزع الموافقة الروسية على هدنة إنسانية على الأقل لإيصال المساعدات للنازحين، وعلى أمل أن تصل المفاوضات حول الحل السياسي الى نتيجة، لكن الجولة الرابعة أول من أمس لم تصل الى نتيجة وعاد القصف الجوي بكثافة غير مسبوقة. وسوف يزداد عدد النازحين الذي تجاوز حتى الآن 250 ألفا، وسنصل الى وضع كارثي، لكن المعاناة الإنسانية هي آخر ما يعني الأطراف، وخصوصا النظام السوري وحلفاءه، فهذه تترك للساذجين في هذا العالم، وأولهم الأردن الذي يجب أن يفتح حدوده لاستقبال مخرجات الصراع الوحشي حيث الغايات تبرر الوسائل.
الأردن يفعل ما يستطيع لإغاثة النازحين، وثمة هبّة شعبية عفوية لجمع المساعدات والمؤسسات تحرك القوافل، وثمة مستشفى ميداني وفرق طبية، لكننا لا نحصل حتى على هدنة إنسانية للتمكن من نجدة الناس، ويبدو أن النظام يمضي في الحملة العسكرية لا يلوي على شيء ولا يبالي بالكلفة البشرية المرعبة على السكان، وينتظر ويتوقع من الأردن أن يتدبر أمره مع المشكلة الضاغطة بفتح الباب لتدفق مئات الآلاف الى الأراضي الأردنية الآمنة. والمعارضة تضغط علنا من أجل فتح الحدود، ومن المفهوم ضمنا أن ذلك يشمل الآلاف من مقاتلي المعارضة وعائلاتهم. ومع الأسف فعندنا أيضا من يضغط من أجل فتح الحدود بدل أن يضغط من أجل تأمين النازحين في وطنهم، ولعل البعض يأخذ هذا الموقف لدواع إنسانية بريئة، لكن آخرين ينطلقون من موقف سياسي ظهير للمعارضة يريد أن يوفر لها الملجأ الآمن، وهذا موقف خاطئ كليا، فليس مطلوبا من الأردن أن يتحمل كلف الصراع ولا أن يتحول الى ملجأ للمعارضة وبينها فئات متطرفة معروفة.
في الانقسام حول فتح الحدود، نرى نفس الحدّة والتعصب الذي وسم الانقسام حول الحرب في سورية، ومن العجيب أن الناس يدعسون بسرعة وبلا طرفة عين ومن الجانبين على المبادئ المرجعية مثل الديمقراطية وحقوق الإنسان وأمن المدنيين. الموقف السياسي المسبق يوجه الرأي وباستعداد كامل للإنكار والتبرير على طريقة "عين الرضا عن كل عيب كليلة"، هذا ما فعله عندنا أنصار النظام السوري وهو يمارس جرائم مرعبة بحق المدنيين وما فعله أنصار المعارضة الذين قبلوا تمدد الميليشيات المتطرفة وقبلوا حتى داعش قبل أن يتحولوا الى اعتبارها مؤامرة بعد جريمتها بإحراق الطيار الشهيد معاذ الكساسبة، وكان الخاسر الأكبر القوى الوطنية الديمقراطية في سورية ومشروع الحل السياسي السلمي الديمقراطي. الانحياز السياسي لا يترك شيئا للمبادئ الإنسانية ولا يترك لحظة للتفكير النزيه والمستقل الذي ينشد الحقيقة والعدل، والآن يتكرر الأمر في الجنوب السوري ونحن نعرف أن الميليشيات المتطرفة أقلّ حضورا وأن الجزء الأكبر من المعارضة، ومنها الجيش الحر، يريد حلا سلميا يسمح بعودة سلطة الدولة على المعابر والمؤسسات وضمانات للحماية من عمليات انتقام وتصفيات، لكن الروس يطلبون استسلاما غير مشروط. ومع الأسف يبدو أن الكلمة ستترك للميدان وقد تعود المفاوضات لحل متوازن فقط إذا تمّ صد الحملة العسكرية، وعلينا أن نتوقع كارثة إنسانية هائلة ينتج عنها تصاعد هائل للضغوط على الأردن لفتح الحدود لمئات آلاف النازحين.
هل سيخضع الأردن للضغوط في نهاية المطاف ويفتح الحدود، أجبت عن هذا السؤال لإحدى الفضائيات بـ"لا" على عاتقي؛ لأنني لا أتخيل أنه يمكن للموقف اللامسؤول المسبب لهذه الكارثة بينما البديل موجود، ويمكن للعرب والعالم فرضه، وهو مناطق آمنة على الجانب السوري من الحدود.

التعليق