فريهان سطعان الحسن

أزمات تظهر أجمل ما في الأردنيين!

تم نشره في الأحد 8 تموز / يوليو 2018. 11:00 مـساءً

في لفتة إنسانية ليست غريبة؛ تقرر عائلة من سكان بلدية الطرة في محافظة الرمثا أن تقتطع من قوت يومها، تلملم ما توفر في بيتها من مواد غذائية، وتستنزف ما تبقى من مقدرات لشراء لوازم الإغاثة الضرورية. تحضر الوسائد والأغطية وكافة المستلزمات وترتبها بكراتين خاصة استعدادا لتوصيلها للأشقاء السوريين عبر قنوات خاصة يتم إيصال المعونات عن طريقها.
عائلة أخرى مجاورة لها، لا تمتلك الكثير من المال، لكنها أفرغت بيتها من الطعام والشراب في سبيل إغاثة ومساعدة هاربين من نيران الحروب داخل الأراضي السورية، موصلين رسائل تؤكد.. "نحن معكم.. نسمعكم.. نشعر بأوجاعكم".. فالجغرافيا قد ترسم الحدود على الأرض لكن المشاعر الإنسانية تسقطها ولا تعترف بها.
شاحنات محمّلة بالأغذية وقوارير المياه والمستلزمات الطبية، والملابس واحتياجات الأطفال، كذلك المفروشات والأدوات المنزلية، جاءت عبر مبادرات خاصة لمواطنين تبرعوا بما تجود به بيوتهم لإنقاذ النازحين السوريين الذين يعانون من معارك عنيفة تجري على أرضهم.
المخابز والأفران والمحلات التجارية الصغيرة، تحديدا في القرى القريبة على الحدود، استنفرت جميعا وخلت ما بين ليلة وضحاها من المواد الغذائية، فقد تسابقت عشرات العائلات إليها لتقديم الخير الذي يتصدره الأردنيون دائما.
فطرة إنسانية ولدت مع كل أردني، ألا يترك محتاجا إلا وسانده، ولا يسمع نداء إلا ولبّاه، "يطعمون الطعام على حبه"، يقتطعون من قوت أبنائهم حينما يسمعون صرخة جار يحتاج له.
فما بالكم حينما يكون هذا الإنسان جاره السوري الذي عانى مرارا وتكرارا من ويلات الحروب والتهجير وآلام الفقدان من حرب مستمرة بدأت منذ أكثر من سبعة أعوام، كتب له العيش تحت ظلال الموت، لا يريد شيئا سوى الحياة!
المبادرات الشعبية انطلقت من كل مكان، وأغلب المحافظات، وهذا ليس بجديد على الأردنيين منذ بداية الأزمة السورية وحتى يومنا هذا، وهو ما يعكس عمق التلاحم والتقارب والإخاء في أوقات الحاجة والضيق لنازحين وهاربين نحو حدود الأمان.
المبادرة التي بدأت من القرى الحدودية القريبة سرعان ما امتدت لتصل باقي المحافظات، وما تزال حملات الإغاثة مستمرة، وعشرات الشاحنات تمتلئ بالمواد الغذائية بانتظار وصولها لعائلات تقطن بالعراء.
صغارا وكبارا، شارك الجميع بتقديم المساعدة لنصرة من يبتعدون عنهم بضعة كيلو مترات. لم يقف أحدهم متفرجا، كل حسب قدرته، لتصل هذه التبرعات الضخمة لمستودعات الهيئة الخيرية الأردنية الهاشمية التي تقوم بفرزها وترتيبها واستبعاد المواد التي يمكن أن تتلف، ومن ثم تعبئتها بالشاحنات لإيصالها.
 أفراد القوات المسلحة تعاملوا منذ بداية الأزمة مع أكثر من مليون و400 ألف لاجئ، ومستمرون حتى اليوم بأعمالهم الإنسانية عبر تقديم المساعدات للعائلات العالقة على الحدود، وإدخال المرضى والحالات الحرجة للمستشفيات الميدانية والعيادات الطبية المتواجدة في المنطقة الحدودية مع سورية.
الجانب الإنساني كان حاضرا مع الجانب الأمني. والجنود على الحدود يمسكون السلاح بيد، وبالأخرى يقدمون المساعدات الإنسانية، أملا برسم البسمة على شفاه طفل، أو سيدة، أو رجل لا يريد شيئا سوى أبسط مقومات الحياة.
كان الأردن وسيبقى أنموذجا يحتذى حذوه في كل مكان على هذه الأرض، "يؤثرون على أنفسهم ولو كان بهم خصاصة"، فبالرغم من حجم الصعوبات والهموم والأوجاع، إلا أن ذلك كله يتبدد ويتلاشى أمام حاجة إنسان يفترش العراء ويضنيه التعب والخوف من الموت، بانتظار اليوم الذي يعود به إلى وطنه وبيته بذكرياته المبهجة.

التعليق