اسحق الفرحان.. بين المحلية والعربية والعالمية

تم نشره في الاثنين 9 تموز / يوليو 2018. 11:00 مـساءً

الدكتور يحيى فرحان *

غادرنا الجمعة أحد أبرز رواد الفكر الإسلامي في الأردن والعالم العربي، بل والعالم كله، الأستاذ الدكتور اسحق فرحان رحمه الله.
كان على خلق رفيع وقمة في الأدب والنزاهة، وكانت لديه طاقة عمل جبارة، ويشهد بأمانته وخلقه كل من عمل معه. جعل بصماته الإسلامية واضحة في كل مجال عمل فيه، وهو من أساتذة الجيل والعمل العام في الأردن.
عاش حياة بسيطة، تجمع بين الخلق الإسلامي والرقي الحضاري، كيف لا وقد درس في أرقى الجامعات الأميركية، وبالرغم من اختلافي الفكري معه إلا أنني أعتبره أقوى وأرقى من منتقديه، الذين أساءوا له في مواقف عديدة، كونه "إسلامويا" يختلفون معه. وهنا كانت تظهر تجليات أدبه وخلقه عندما كان يعترف بفضائل الآخرين والمسيئين له وهو الرجل القوي الحازم والشهم وليس الضعيف. والكثيرون كانوا يعترفون صراحة بكفاءته وقدراته وطاقته الخلاقة على العمل والابداع، والأهم عظم أخلاقه وحلمه وبصماته التي تجلت في المناهج الدراسية، ليس فقط في التربية الإسلامية بل بالكيمياء والفيزياء، فكانت مؤلفاته الرائدة في هذا المجال، وبالتالي انعكس هذا على علمنة التربية الاسلامية والفكر الإسلامي. وهو ما يجعلني اعتبره صاحب فكر تنويري من الطراز الأول.
 وقد كنت أستغرب مواقفه من الفلسفة وتطوير تعليمها المدرسي والجامعي مع ان عظماء الفلاسفة في العالم هم من المتخصصين في الرياضيات أو الفيزياء، وهي العلوم التي أحبها وأبدع فيها شيخنا في بداية حياته الأكاديمية. وكنت اذكره دائما بأهمية الفلسفة في العقود الثلاثة الأخيرة في الغرب ومجالاتها البحثية ببناء الهوية وتجذير الأخلاقيات في الحياة العامة والمهنية  وهو ما نحن بـأمس الحاجة اليه. ولكني أبقى أحترم رأيه ومعجب بتفكيره ومنهجيته العلمية في حياته التي امتدت على مدى أربعة وثمانين عاما في عمارة الأرض الحقيقية وانتمائه للوطن. وقد كان للمرحوم آثاره وبصماته في البلاد العربية في مرحلة معينة. ولعل أبرز إبداعاته قيادته للجنة العليا للمناهج في سلطنة عمان والتي أقرت مناهج مدرسية من طراز رفيع يعد من أرقى ما عرفته المناهج العربية. وامتدت آثاره في الحياة العامة الى عدد كبير من الدول العربية وربما كانت مواقف القوميين والليبراليين عاملا مهما في الوقوف حاجزا أمامه في الساحة العربية الى أن أصبح رئيسا للأحزاب العربية المختلفة وهي مرحلة لم يعرفها الكثيرون فاقترب منه القوميون وغيرهم واكتشفوا انهم أمام انسان عملاق في أخلاقه وادبه وفكره وكيفية تقبله للأخر وهو انسان بالدرجة الأولى وليس نبيا.
 وأضحى الكثيرون ممن أساءوا له يحترمونه ويقدرون منهجيته العلمية في التفكير والتعامل مع جميع المواقف الفكرية. وفي الوقت الذي كان زملاؤه يلقون الرثاء له يوم وفاته وفي بيت العزاء كانت كلمات رثاء كثيرة تلقى تكريما للمرحوم في بيت المقدس مسقط رأسه (المسجد الأقصى), وفي ماليزيا وباكستان والهند واندونيسا, وفي قازان (الجمهولاية الاسلامية في روسيا الاتحادية) وفي الولايات المتحدة، عرفانا بدوره في مجال التربية الاسلامية, وتأسيس الجامعات الاسلامية المتكاملة في بلدانهم.. وهو ما يجعلنا نقر ونعترف بدوره وتأثيره العالمي كأكاديمي وداعية اسلامي من أهل الفكر والخلق والأدب من مستويات يعترف بها كل من عمل معه ورافقه بمسيرته الخلاقة أمثال بشير الصباغ, وذوقان الهنداوي وحكمت الساكت رحمهم الله جميعا. وهم من حمل مشاعل التربية والتعليم في الأردن.
 رحم الله ابا أحمد وأسكنه فسيح جنانه.

* أستاذ سابق في الجامعة الأردنية.

التعليق