الكويت تستدير بخفة وذكاء

تم نشره في الخميس 12 تموز / يوليو 2018. 11:06 مـساءً

الكويت تستخدم حكمتها التي عرفناها لبعث الأمن وخفض التوتر والحد من ممارسات الابتزاز التي تتعرض لها الأمة. الإعلان الصادر من العاصمة الصينية حول توجه الكويت لتأجير جزيرتي فيلكا وبوبيان للصين ولمدة 99 عاما لتعمل الصين على استثمار ما يزيد على 450 مليار دولار في المنطقة وعلى الطريقة الصينية، يشكل صفعة عربية لكل مساعي الهيمنة والابتزاز وتعزيز النفوذ التي تقوم بها الإدارة الأميركية المغامرة وشركاؤها على الأرض العربية.
العلاقات التي أقامتها الأقطار العربية مع الحلفاء التقليديين كانت مخيبة للآمال وسببا في الكثير من المصائب والويلات التي لحقت بالعالم العربي. فللوقوف في وجه الشيوعية تعاونت بعض الأنظمة العربية مع حلفائها الغربيين على دعم القوى الإسلامية في أفغانستان وأسهمت في توالد الحركات الجهادية التي امتدت أعمالها الى مختلف قارات العالم.
وبوضوح لا يقبل التأويل، كانت الولايات المتحدة الأميركية في مقدمة القوى الداعمة لإسرائيل في احتلال وتهويد الأراضي الفلسطينية والسورية واللبنانية والمغذي الرئيس لمخاوف الدول الخليجية من تنامي النفوذ الإيراني بعد الإطاحة بنظام الرئيس العراقي صدام حسين واحتلال العراق وتفكيك مؤسساته السياسية والاقتصادية والأمنية وإحلال الفوضى والدمار في أكثر بلدان الشرق أمنا وعلمانية واستعدادا للنهوض.
الوجود الروسي والأوروبي في العالم العربي لا يقل سوءا عن الوجود الأميركي؛ فالجميع يستخدم الفضاء العربي كمجال لاستعراض القوة وتجريب الأسلحة وإشاعة الفوضى من دون أي اعتبار للعوامل الإنسانية والأخلاق والمسؤوليات التي تعارفت عليها الأمم وحرصت على مراعاتها في أوقات الحرب والسلم.
اليوم ومع ظهور قيادات سياسية غربية مغامرة وذات طموحات يصعب فهمها والتنبؤ بسلوكها، وبالتزامن مع تنامي الحديث عن حلول وصفقات وتحالفات جديدة في أجواء وسياقات غير معروفة، أصبح القلق والخوف من المستقبل إحدى أهم الأولويات التي تشغل زعماء وقيادات وشعوب المنطقة.
على الخريطة العالمية، كانت الصين وما تزال إحدى أهم القوى العالمية التي يمكن الوثوق بها، فقد ظلت طوال تاريخها الحديث ومن بين أكثر دول العالم التزاما بروح عدم الانحياز بالرغم من طابعها الاشتراكي. فمنذ انعقاد مؤتمر باندونغ في العام 1955 ظلت الصين منتمية الى العالم الثالث وملتزمة بدعم قضايا وحقوق الشعوب وبعيدة عن كل الأطماع الاستعمارية وشهوات الهيمنة التي أفسدت ثقة الشعوب الفقيرة بكل القوى التي حاولت مد يد العون والمساعدة.
في مسيرتها الاقتصادية المثيرة واللافتة التي انطلقت منذ سبعينيات القرن الماضي، استطاعت الصين أن تتحول من دولة نامية فقيرة الى ثاني أكبر اقتصاد عالمي بنمو يزيد على المعدلات التي تحققها أنجح الأنظمة الاقتصادية للبلدان الرأسمالية ولتسهم بشكل فاعل في مساعدة عشرات الدول الافريقية والآسيوية واللاتينية على الخروج من دائرة الفقر من دون الضغط أو الهيمنة على الفضاء السياسي أو محاولة الابتزاز والتأثير كما يفعل غيرها من القوى الاقتصادية العظمى.
اليوم، تشكل الأنباء عن نية دولة الكويت إقامة شراكة اقتصادية استراتيجية بينها وبين الصين تحولا تاريخيا في تاريخ ومستقبل المنطقة العربية. فالمنطقة التي ظلت أحد مجالات النفوذ الغربي الذي بقي يتزايد مع كل خطوة إيرانية نحو امتلاك السلاح النووي أو التفاوض على إخضاعه للرقابة الدولية لن تبقى رهينة للمخاوف والتهديدات الحقيقية والمصطنعة.
القيادة الكويتية التي وضعت بلادها على طريق الريادة الاقتصادية والثقافية والسياسية منذ خمسينيات القرن الماضي كانت أحد أهم الأنظمة العربية المعتدلة والحكيمة التي حاولت جاهدة احتواء الصراعات والمناكفات التي تفاقمت في محيطها فحافظت على علاقة متوازنة مع الجيران من دون أن تنجرف في مغامرات غير محسوبة أو أن تكون طرفا في تأجيج الصراعات التي قد لا يستفيد منها أحد غير أعداء الأمة، نجحت هذه المرة وباقتدار في أن تفكر خارج الصندوق وأن تأتي بشريك موثوق يعيد للمنطقة المتحفزة شيئا من الطمأنينة والتوازن.
الاستثمار الذي سيقوم به الصينيون في المنطقة وبناء مدينة المال الجديدة خطوة عملاقة قد تغير قواعد اللعبة وشكل المنافسة وتخلق فرصة لتفاعل حضاري على الأرض العربية ستكشف الأيام عن عمقه وآثاره.

التعليق