العقد الاجتماعي الأردني الجديد: من تزييف الوعي إلى الوعي الزائف

تم نشره في الاثنين 16 تموز / يوليو 2018. 11:00 مـساءً

النائب خالد رمضان

وإن كان ثمة "تزييف للوعي" الشعبي فيما يتعلق بموضوعة "العقد الاجتماعي"، فثمة "وعي زائف" لدى أولئك القائمين على ترديد هذه الموضوعة في الأردن. 

يتجلّى "تزييف الوعي" لدى أناس صدّقوا موضوعة العقد الاجتماعي وأصبحوا يُردّدونها دون أن يعوا أي بُعد لها خارج إطار المصطلح. ويتجلّى "الوعي الزائف" لدى من يعتبرون أنفسَهم نخبةً سياسيةً و/أو صحفية، فهم يُردّدون المصطلحَ دونَ تأسيسٍ مفاهيميٍّ لهُ.

قدْ يضحكُ السياسيُ أو الصحفيُ على المواطن بجُملةٍ رنّانة مثل "العقد الاجتماعي" والزجّ بها بمعمعة من المصطلحات الفارغة، لحدٍّ يشعرُ معَهُ المواطنُ المسكينُ أنّ من أولويات تأكيد وطنيته ترديدَ جُملة "العقد الاجتماعي"، حتى وهو لا يعرف معناها.

لكنّ المُضحكَ المُبكيَ هو بحالة الضحك التي يمارسها السياسيُ أو الصحفيُ على نفسِه، وهُو يُردّد "العقد الاجتماعي" دون أن يكون لديه أيّ خلفيةٍ معرفيةٍ، تُمكّنه من التنظير لها، ابتداءً من الحالة السيكولوجية للشعب الأردني، وليس انتهاء بتكويناته الروحية والسياسية والاجتماعية والقبلية والدينية والديمغرافية، واستحضار كافة المقولات والسرديات التي ساهمت بتشكيل الهوية الأردنية الحديثة، والوصول لإطار مفاهيمي للمصطلح بحيث لا يعود ترديده فارغاً فكريا.

لنعدْ خطوةً للوراء ونسأل: ما الذي يقصده السياسيُ أو الصحفيُ ساعةَ يُردّدُ "العقد الاجتماعي"؟ وبموازاة ذلك، لنسائلَهُ: إلى أيّ حدّ تمتلك إطاراً فكرياً لتكون قادراً على اختصار مشروعك الفكري بكلمة واحدة "العقد الاجتماعي"؟ هل أنت مُؤهّلٌ على المستوى الفلسفي لكي تبسّط للمقولة مفاهيميا، للتأسيس لها بالأذهان أولاً وفي الواقع المعاش ثانياً، أم أنك تمتلك ناصيةَ القدرة المُطلقة ؟ إذا كنتَ فتفضّلْ وحلّ لنا مشاكلنا دفعةً واحدةً. أما إذا لم تمتلكْ قدراتٍ سوبرمانيةً، فدعنا نضعك موضع تساؤل لأن البلد لا يحتمل أخطاء فردية يمكن أن تتحوّل بالتقادم لخطايا جمعية.

ولسنا بحالة تسمح لأحدٍ بالانفراد بالقرار، فبوقتٍ مضى سمحنا لأصحابِ القوى "السوبرمانية" العتيدة بالانفراد بالقرار السياسي والاقتصادي والديني والاجتماعي؛ وها نحن نُعاني اليوم من ويلاتٍ مُتلاحقة.

لنطرحْ مجموعةَ آراء تأسيسية لها علاقة بموضوعة العقد الاجتماعي، سواء بشقّها التنظيمي أو بشقّها الفكري، لكي نصل لخُلاصات – بعيداً عن أي احتكارية- يمكن أن تساهم ببلورة سجال بالفضاء العمومي، وإثراء الحالة المعرفية، اجتماعيا وسياسيا، بحيث لا يخلص السجال إلا وتكون قطاعات كبيرة من الشعب قد انخرطت بالتأسيس لـ"العقد الاجتماعي"، دون تزييف للوعي أو وعي زائف!

تنظيميا: من هي الجهة المُخوّلة بإنجاز أطروحة العقد الاجتماعي الأردني الجديد؟ هل تنجزها النُخب السياسية، وهي المُتهمة بتخريب "العقد" السابق وإيصال الدولة لما وصلت إليه من تردٍّ كبير؟ أم ينجز أطروحته الشعبُ، وهو المُتهّم بأنه انفعالي وقاصر عن تفهّم التبدلات السياسية والاقتصادية لعالمنا المعاصر، تفهّما عقلانياً؟ أم تُنجزه النُخب الصحفية، وهي المُتهمة بالتسرّع والتخبّط والابتعاد عن أي سياقات معرفية حقيقية؟ أم النُخب الأكاديمية البعيدة عن المساهمات المعرفية؟

 التي لا همّ لها إلا مصالحها الشخصية، فالأكاديمي الأردني مشغول تماماً بمسألة ترقياته الشخصية، لا بالمساهمات المعرفية؟

أم تُنجزه حركات الإسلام السياسي وهي المُتهمة بتغليب الشأن الإسلامي على المحلي؟

ثمة أسئلة كثيرة ينبغي الإجابة عليها قبل الشروع بطرح مصطلحات تبدو مفاهيمها غير واضحة. وطرحها هو الخطوة الأولى للتأسيس للعقد الاجتماعي، فانخراط الجميع بالإجابة، كل من منطلقه، سيساهم ببلورة السياق التنظيمي لقضية على الكُلّ أن يتحمل شراكة إنجازها وتفعيل سياقاتها للعلن.

في الشقّ الفكري: نحن نتناول واحدة من أخطر القضايا التي شكلّت هاجساً قوياً بتشكيل المجتمعات البشرية. فحركة المجتمعات هي تجلٍّ لحراك إنساني كبير، على المستوى السيكولوجي والمعيشي والديني والاقتصادي والسياسي والثقافي والعلمي، لذا لا ينبغي فهم أبعاد كل هذه التكوينات فحسب، بل والتنظير لها والبسط لها فكرياً بنصوص معرفية عميقة تستجلي ما هو كامن بالقدر ذاته الذي تستجلي ما هو ظاهر للعيان.

 نسأل هنا كل من يطرح مسألة "العقد الاجتماعي" وكأنها مُنجزه الشخصي، أين تنظيراتك حول هذا العقد بكافة أبعاده، لا سيما أن العقد الذي تطرحه يعنينا جميعاً ولا يعنيك لوحدك، ويمكن لأيّ هفوة أو سوء تقدير أن تطرحنا جميعاً في الأرض؟ لا بُدّ أن نعمّق الأسئلة ونفتح باب التساؤلات على آخره:  

- أين هي الدراسات المعرفية العميقة (نأمل أن لا يأتي أحد بدراسة من هُنا أو هناك ليقول لنا هاكم ما طلبتم، لأن التأسيس لعقد اجتماعي جديد بحاجةٍ لجهد معرفي تراكمي لا يتأتى من دراسة متناثرة ومتفرقة) حول التكوين السيكولوجي للإنسان الأردني، لا سيما من أواخر القرن التاسع عشر، حيث تعرّض لرضّات عنيفة على أيدي الدولة العثمانية؛ وصولاً لراهننا بكل تعقيداته التي حفرت عميقاً بالبنية النفسية له وجعلته نهباً لمشاعر قلقة حول مآلاته اليومية؟

- أي الدراسات المعرفية العميقة حول البنية الاجتماعية للأردني، وتلك النقلات التي حدثت ببنية الأسرة أولاً والمجتمع ثانياً والوطن ثالثاً، على مدار قرن ونيف؟

- أين الدراسات المعرفية العميقة حول البُعد العشائري بصفته مُكوّناً رئيسياً من مكونات المجتمع الأردني الحديث؟ وأين الدراسات الأنثروبولوجية حول التكوين التاريخي للمجتمع؟ وأين الدراسات الاجتماعية حول "الأنوية" الاجتماعية التي شكلّت اللبنات الأساسية بتكوين المجتمع الأردني، ابتداء من مطلع القرن الماضي؟ وأين الدراسات المعرفية حول الانتقالة من دولة الخلافة المُمثلة بالدولة العثمانية، للدولة الوطنية منذ عام 1921؟ وأينها حول طبيعة التبدلات التي عصفت بالمجتمع الأردني، ابتداءً من 1948 حيث النكبة الفلسطينية وموجة اللجوء الأولى، وتابعات اللجوء على البنية النفسية والاجتماعية والاقتصادية والسياسية والإنسانية للمجتمع الأردني؟- وأينها ملاحق هذه الدراسات حول موجة اللجوء الثانية التي حدثت عقب نكسة 1967؟

- وأينها تلك الدراسات المعرفية الموضوعية حول أحداث أيلول، والجُذر السيكولوجية التي شرخت المجتمع؟ وأينها تلك الدراسات حول أنماط العيش الخاصة بالشعب الأردني سواء أكان من أصول أردنية أو من أصول فلسطينية، كتلك المتعلقة بالمأكل والمشرب واللهجة والأعراس والأغاني والأهازيج والحكايا والخراريف والهياج بالملاعب وتشجيع الأندية...الخ؟

- وأينها تلك الدراسات حول التحوّل الطبقي في الأردن، وانتقال بعض العائلات من وضع اجتماعي واقتصادي عادي إلى وضع مغاير تماماً؟

وأينها تلك الدراسات التي تُؤرّخ للموروث الشعبي بكافة تجلياته؟ وتلك التي ترصد التبدلات السياسية عالميا وانعكاسها على القوى والفعاليات الوطنية؟ وأين تلك التي ترصد صعود حركات الإسلام السياسي، ليس في الأردن فقط، بل وتعمل على تفكيك أنويتها الأصلية ومآلاتها السياسية والاجتماعية والاقتصادية والعقدية؟ والدراسات التي تفكّك منظومة التديِّن بصيغتيه الشعبية والرسمية؟ وتلك التي ترصد حركة التديّن وعلاقته بما يجري على المستوى الوطني والعربي والإسلامي والعالمي؟

وأين الدراسات التي ترصد حركة التحوّل الديمقراطي في الأردن نهاية حقبة الثمانينيات، وتداعيات ذلك على المشهد السوسيوثقافي؟  وأين التي ترصد الحالة الوجدانية للشعب الأردني واندفاعاته بالتعاطف مع عديد أنظمة وحركات وأحزاب خارجية شعر أنها تُدافع عن كرامة الأمة المسلوبة؟ وتلك التي ترصد التبدلات الاجتماعية عقب ظهور التكنولوجيات الحديثة؟

وأينها تلك الدراسات التي تفصل بين ألفيتين، وتؤشر على أهم التحولات في قرن مليء بالإزاحات الكبيرة على المستوى الوطني؟ وترصد موجات اللجوء الجديدة التي عصفت بالمجتمع؟ وترصد حقيقة التبدلات الثقافية التي جعلت جيلاً جديداً يبرز خارج إطار المؤسسة الثقافية الرسمية، نتيجة لعجز أبنيتها التقليدية عن استيعاب أسئلة هذا الجيل الجارحة والمحرجة؟

وأين تلك الدراسات التي ترصد بعينٍ بصيرة حقيقة ما جرى في العقد الأخير، من تفكّك للأبنية التقليدية، سياسياً ودينياً واجتماعياً واقتصادياً، وتقدّم أبنية لا زالت معالمها غائمة لكي تفرض سيطرتها على الاجتماع السياسي؟ ...الخ؟ ونأمل أن لا يأتي شخص بدراسةٍ من هنا أو هناك لكي يقول لنا: هَاكُم هذا ما طلبتم. وأن لا يتحوّل سؤال أينها سابق الذكر لسؤال ينتصر لذاكرتنا الجمعية على حساب فاهمتنا النقدية.

فصيغته الناقدة تتطلب حفراً معرفياً عميقاً بالأذهان كمرحلةٍ أولى، وإثارة السجال العمومي حوله، بحيث تصبح أفكار هذه الأحفورات أفكاراً عمومية يتشارك فيها أناس كثر يعنيهم أن يناقشوا ويساجلوا. وفي هذا الإطار لا يكفي أن يكون لدينا – لغاية التأسيس لعقد اجتماعي جديد- عشر دراسات عن المنسف أو المسخن أو التاريخ النبطي أو الكنعاني أو تاريخ الحركات الإسلامية أو اليسارية أو البنى العشائرية أو موجات اللجوء المُتلاحقة...الخ، فقط. بل لا بُدّ لنا من تفعيل النقاش العقلاني الحُر بالمجال العمومي حول هكذا مسائل مؤرقة وتوسيع دائرة النقاش قدر الإمكان، بحيث لا تعود حكراً على أحد. 

وبالضرورة سيكون لمراكز الأبحاث بتصنيفاتها المختلفة الدور الأعمق – وهذا غائب تماماً أو شبه غائب الآن عن الساحة، فالموجودة هي مراكز شخصية ولا ترقى لمستوى المسؤولية المعرفية.

التعليق