جهاد المنسي

تمتمات من وحي مناقشات الثقة

تم نشره في الثلاثاء 17 تموز / يوليو 2018. 11:06 مـساءً

يبدو جليا أننا بحاجة لسنوات طويلة من العمل الإصلاحي، والفكر التنويري، للانتقال من مربع الإقصاء والجهوية ورفض الآخر الذي ندور في فلكه اليوم، لمربع آخر جوهره بناء الدولة المدنية الحديثة التي تؤمن بدولة القانون والمؤسسات والمواطنة الحقيقية، ويحضر فيها الإنجاز والإبداع والعمل بعيدا عن لهجة التفاخر بإرث مضى، واستحضار بطولات سابقة قام بها هذا الطرف أو ذاك، دولة جامعة تضم وتحتضن الجميع وتحتضن من دون سؤال عن جنس أو دين أو عرق أو إقليم، عنوانها المنافسة والفخر بالإنجازات العلمية والفكرية والإنسانية والرياضية والإصلاحية، وجوهرها العمل على رفع تصنيفنا في مؤشر الشفافية وحرية الرأي والتعبير والنزاهة وحقوق الإنسان وسيادة القانون.
الإنصات لمناقشات المجلس للبيان الحكومي الذي طلبت ثقة النواب على أساسه يجعلنا نشعر بصعوبة المرحلة التي نمر بها، واستشعار خطورة المشهد بشكل عام، ويدفعنا للحث على مواصلة المطالبة بتغيير النهج، والانتقال لنهج إصلاحي حقيقي بعيدا عن المحاضرات النظرية والورقية، وتوفر إرادة حقيقية للإصلاح، وبيئة حاضنة له ورجال دولة مقتنعين به ولديهم القدرة والمكنة على تطبيقه والعمل به.
دفن الرأس في الرمل لا يفيد، ومن يتابع المشهد النيابي، وسجالات بعض رجال الدولة الذين تسيدوا المشهد ردهة من الزمن، ويطلع على صفحات التواصل الاجتماعي، ومتابعة طريقة التعيينات، واستبعاد هذا واستحضار ذاك، يصل لقناعة أن الطريق طويل، وأن الكلام سهل ولكن التطبيق أمامه عوائق مختلفة أبرزها وأهمها عدم قناعة جزء كبير من منظومة الدولة بالإصلاح الحقيقي، واعتمادهم على مواصلة الكلام عن الإصلاح من دون تنفيذ.
ذلك يتجلى بقوة في كلمات نواب خلطوا فيها بين فكر الإصلاح، والدفاع عن مصالح ضيقة، ويمكن رصد توجس أولئك من الإصلاح الحقيقي والتجديد عند التوقف أمام علامات السؤال التي أثارها رجالات دولة وساسة ونواب وأعيان حول مفهوم العقد الاجتماعي الذي أشار إليه رئيس الوزراء عمر الرزاز في رده على كتاب التكليف، والذي توسع في شرحه في بيانه الوزاري، وما هذا التوجس إلا دليل على رفض سلوكي لأي تجديد، وليس هذا فحسب بل مقاومته، ووضع العصي في طريقه.
المؤسف أن الرسالة التي عبر عنها متظاهرون في الدوار الرابع والتي أدت لإقالة حكومة هاني الملقي وتكليف الرئيس عمر الرزاز بتشكيل الحكومة الجديدة، لم تصل بجوهرها وعمقها الحقيقي للكثير من الساسة وبعض رجالات الدولة الذين يعتقدون أن تدوير الأزمات ومواصلة الدوران حول الهدف ذاته يمكن أن ينجحا.
أولئك للأسف فشلوا في ملامسة أن إرادة التغيير التي طالما عبر عنها جلالة الملك في أوراقه النقاشية والتقطها الشباب في الدوار الرابع تختلف كليا عن الطريقة التي يتعاملون بها مع الملفات الضاغطة، وتتقاطع مع طريقة تفكيرهم في إدارة الأمور والتعاطي مع الإصلاح المنشود، ولذا نراهم خارج النص الإصلاحي الحقيقي، ونرصدهم يتحدثون عنه بالرتوش وليس بالعمق، وعند أول منعطف يعودون لسيرتهم الأولى كاشفين فكرهم المحافظ الإقصائي الذي يريد البقاء في المربع عينه ورفض الانتقال لدولة الحداثة والمدنية التي تؤسس لفكر العدالة والمواطنة.
الواضح أن الإصلاح الذي نريد بحاجة لتوفر إيمان حقيقي به، وهذا يتطلب تغيير السلوك العام بمجمله وكف يد أي طرف عن التدخل في الشؤون العامة وتقوية مؤسسات الدولة وإطلاق العنان لبناء الدولة الحديثة التي نريد، دولة لا يحضر فيها سوى العمل والإنجاز، ويغيب عنها فكر المحاصصة والجهوية.
إذا المطلوب لتحقيق إصلاح حقيقي تغيير نهج التفكير أولا، وإقناع كل أصحاب القرار الذين يريدون أن يكون لهم حضور في المرحلة المقبلة بأن بناء الدولة الحديثة يلزم الجميع وضع مخلفات الماضي بكل أصنافها خلف ظهورهم، وتقديم رؤية للدولة الحديثة المبنية على المواطنة أولا والعدالة والمساواة وتكافؤ الفرص.

التعليق