مكتبات تونس تقاوم الكساد والثورة الرقمية

تم نشره في الخميس 19 تموز / يوليو 2018. 11:00 مـساءً
  • أحد باعة الكتب في العاصمة التونسية - (أرشيفية)

عمان -الغد- في زقاق قريب من المدينة العتيقة ووسط عمارات متداعية تعود لحقبة الاستعمار الفرنسي أوائل القرن الماضي، يتصفح بديع عددا من الروايات العربية المعروضة على الرصيف وبعض الترجمات الأجنبية.
في هذا الزقاق الملقب بـ "نهج الدباغين"، وبحسب (الجزيرة. نت)، تعوّد المارة عبر هذا الطريق على التوقف للاطلاع على عناوين الكتب، ولكن بعضهم يأتي خصيصا للبحث عن عناوين مفقودة في السوق.
هنا على الرصيف وفي مدخل الدباغين، يستوقف الزائر كتاب "كفاحي" لأدولف هتلر على طاولة مسنودة إلى حائط، وإلى جانبه سيرة الزعيم الثوري إرنست تشي غيفارا، وعلى الجهة المقابلة عدد من روايات باولو كويلو وكتب فنون الطبخ ومعاجم للترجمة.
يقول أحد الزائرين لمكاتب الرصيف ويدعى بديع مدققا بإحدى الروايات "يدفعني الشغف بالكتب القديمة للقدوم إلى نهج الدباغين.. هنا تجد كتبا من الصعب العثور عليها في مكان آخر".
يعمل بديع مترجما فوريا في مقر وكالة الطاقة الدولية بفيينا، وقدم إلى نهج الدباغين مستغلا قضاءه لعطلته الصيفية في تونس، وقد انتهت جولته بين الكتب باقتناء رواية "السد" للأديب محمود المسعدي ورواية "نساء كازانوفا" لواسيني الأعرج.
يتابع قائلا "استخدم منذ فترة طويلة الكتاب الإلكتروني وهو عملي أكثر، لكن يحملني الحنين من حين لآخر لاقتناء الكتب الورقية.. أقرأها ثم أتبرع بها".
ومثل بديع، يحرص الطلاب والجامعيون والمحامون ورجال القانون على القدوم إلى نهج الدباغين للعثور على ضالتهم من الكتب والمراجع القديمة والنادرة بأسعار بخسة، بالمقارنة مع أسعار المحلات ومعارض الكتب.
تاريخيا، لم تكن الكتب الاختصاص الأصلي لنهج الدباغين كما تشير إلى ذلك تسميته، فقد ظل الزقاق قبلة صناع دباغة الجلود خلال حقبة الاستعمار، وهي صناعة ظلت خارج أسوار المدينة العتيقة التي بناها العرب والأتراك القدامى بسبب صبغتها الملوثة.
لكن الاندثار التدريجي لدباغة الجلود أعطى مجالا لباعة الكتب والمجلات القديمة للإقامة في الزقاق واستغلال المخازن القديمة لتخزين الكتب.
ويتشارك باعة الكتب اليوم هذا الفضاء مع عدد آخر من محلات باعة القماش وأدوات الخياطة وتجار السلع الصينية الرخيصة ومحلات أخرى للأكلات الشعبية الخفيفة.
ويمكن ملاحظة أن الحياة اليومية في نهج الدباغين تعيش على وقع مفارقة دائرية. فخلال النهار تتحول الأرصفة والمخازن القديمة في الزقاق وفي الساحات المحيطة به إلى مكتبات مفتوحة وأكوام من الكتب للفرز.
وفي الليل يصبح المكان مقفرا وموحشا ومرتعا للسكارى وبائعي البيض المسلوق المتجولين.
عايش معمّر بوعزيزي (70 عاما) أحد الباعة العارضين لسنوات طويلة العالم المليء بالتناقضات في نهج الدباغين، ومع ذلك فهو يعتبر هذا المكان قطعة من حياته.
كان الرجل موظفا في وزارة الفلاحة لكنه استقال من الوظيفة العمومية منذ العام 1992، واختار بعد ذلك التفرغ لبيع الكتب القديمة في نهج الدباغين. يقول معمّر "لا توفر الكتب هامشا كبيرا للربح، لكن توفر الحد الأدنى لتغطية التكاليف والمعيشة.. لا نسعى للربح الكثير".
وعلى الرغم من انتشار الوسائط الإلكترونية بشكل واسع في تونس فإن الطلاب والجامعيين والمثقفين ما زالوا يتوافدون على نهج الدباغين للبحث عن المراجع والكتب والموسوعات النادرة. ويمكن للزائر أن يقضي أكثر من ساعتين وهو يقلب الكتب من رصيف إلى آخر، وقد ينتهي به الأمر إلى اقتناء عناوين لم يخطط لشرائها بشكل مسبق.
يوضح بوعزيزي وهو يحاول من حين لآخر إرشاد زبائنه إلى الكتب التي يبحثون عنها "طبيعي أن تؤثر الإنترنت والثورة الرقمية على المبيعات. لكن المراجع النادرة والقديمة لا يمكن العثور عليها في الإنترنت. هنا المنبع لكل العناوين المطلوبة".
لكنه وباقي الباعة في نهج الدباغين لا يخفون تراجع مبيعاتهم من الكتب القديمة، فضلا عن تأثر حركة السوق بالظروف السياسية والاقتصادية التي تمر بها البلاد بجانب انتشار الوسائط الإلكترونية.
ويقول حمزة الذي يعمل بائعا للكتب في متجر أبيه منذ مطلع سبعينيات القرن الماضي "لا تزال الكتب التراثية محل اهتمام الزائرين لنهج الدباغين. الترجمات الأجنبية وكتب اللغات الأجنبية أيضا".
ويضيف حمزة "تأتي الاصدارات الحديثة إلى نهج الدباغين لكن سرعان ما يتم اقتناؤها".
من الناحية السياسية، سمح صعود الإسلاميين إلى الحكم لأول مرة إبان عام الثورة العام 2011 بانتعاش الكتب الدينية في المعارض وفي معقل الكتب القديمة بنهج الدباغين أيضا.
وبالنسبة للإسلاميين، اعتبرت هذه الانتعاشة بمثابة إعادة اكتشاف للدين للتونسيين ومعرفة ما يتوجب عليهم فهمه ومعرفته بعد عقود من التصحر الديني في البلاد.
لكن بوعزيزي يعلق على هذه الطفرة قائلا "ارتبطت هذه الكتب بظرفية سياسية محددة. كانت هناك قيود في السابق لهذا أقبل المحافظون على اقتنائها بشغف بعد الثورة لكنها اليوم أصبحت متروكة".
ولا يبدو مستقبل الكتب القديمة في نهج الدباغين واضحا، وليس معلوما للباعة في نهج الدباغين إلى أي مدى ستصمد في وجه التحولات التكنولوجية واهتمامات القراء الجدد.
وبعيدا عن ذلك، فإن ما يشغل العارضين هو كيفية التحكم في المجال الضيق المتاح على أرصفة الزقاق الذي أصبح مزدحما بحركة المارة وأنشطة التجار.
ويدرك حمزة وبوعزيزي وغيره من الباعة أن البحث عن مكان آخر خارج نهج الدباغين يعد مخاطرة حقيقية من الناحية المالية.
ويقول بوعزيزي "لديّ كتب مخزنة منذ أكثر من عشر سنوات لكن لا أجد لها مساحة شاغرة لعرضها.. مع ذلك أفضل البقاء هنا على الرصيف عوض البحث عن مكان آخر".
كما يعترف حمزة بأنه "لن يكون ممكنا لبائعي الكتب القديمة تحمل مصاريف فضاءات حديثة للعرض.. نهج الدباغين المكان الأنسب حتى الآن لعرض هذه الكتب".

التعليق