البولنديون وحدهم يستطيعون إنقاذ الديمقراطية البولندية

تم نشره في السبت 21 تموز / يوليو 2018. 11:00 مـساءً
  • رئيس حزب القانون والعدالة الحاكم في بولندا، ياروسلاف كاتشينسكي -(أرشيفية)

سلافومير سييراكوفسكي*

وارسو- في الأسابيع الأخيرة، احتلت الاحتجاجات الضخمة في وارسو العناوين الرئيسية في جميع أنحاء العالم. وقد نظم البولنديون احتجاجات ضد القانون الذي تم سنه من قبل حزب القانون والعدالة الحاكم، والذي من شأنه أن يخفض سن تقاعد قضاة المحكمة العليا، مما سيؤدي إلى التقاعد القسري لجميع القضاة الذين تزيد أعمارهم على 65 عاما ويسمح لحزب القانون والعدالة الحاكم بتعيين قضاة جدد من اختياره.
ينص الدستور البولندي على وجود قضاء مستقل، ويحدد مدة ولاية الرئيس الأول للمحكمة العليا في ست سنوات. وهذا يعني أنه لا يمكن عزل القضاة بموجب القانون -على الأقل ليس دستوريا. ومع ذلك، فإن القانون الجديد يمكّن الرئيس البولندي أندريه دودا من استبدال ما يصل إلى ثلاثة أخماس قضاة المحكمة العليا البالغ عددهم 93 قاضيا، بمن فيهم كبير القضاة، في العام 2018 فقط.
علاوة على ذلك، أضافت الحكومة مجلسين جديدين إلى المحكمة، مما ضاعف عدد القضاة إلى 120. وسيتم استخدام غرفة تأديبية جديدة للقضاة غير الملتزمين، وستصادق غرفة التدقيق والشؤون العامة على صحة النتائج الانتخابية. كما سيكون للغرفة الأخيرة سلطة التحقيق في الشكاوى الانتخابية السابقة، مما سيمكن الحكومة من إلغاء قرارات المحكمة التي يعود تاريخها إلى 20 سنة. إن حزب القانون والعدالة يسيطر بشكل كامل على صنع القرار القضائي في الوقت الحاضر وعلى مدى العقدين الماضيين من السوابق القانونية.       
ومع إحكام نظام حزب القانون والعدالة قبضته على السلطة القضائية، فإن العديد ممن يعارضون القانون الجديد يضعون آمالهم في الاتحاد الأوروبي. شرعت المفوضية الأوروبية في القيام "بإجراءات المخالفات" ضد بولندا رداً على انتهاكات حزب القانون والعدالة الحاكم لاستقلال القضاء، والتي يمكن أن تمهد الطريق أمام محكمة العدل الأوروبية لوقف صلاحية القانون حتى يتم النظر في المسألة.
تكمن المشكلة في أن محكمة العدل الأوروبية تعمل ببطء شديد، مما يعني أننا يمكن أن نواجه وضعاً مثل هنغاريا  في العام 2014، عندما أصدرت المحكمة الأوروبية لحقوق الإنسان حكمها ضد حكومة رئيس الوزراء فيكتور أوربان بعد إقالة قاضي المحكمة العليا أندراس باكا قبل نهاية ولايته. لكن الحكم جاء متأخرا جدا. دفعت الحكومة الهنغارية غرامة قدرها 100.000 يورو (117.000 دولار)، بدون استعادة منصب باكي أوسيادة القانون.
وبالمثل، في قضية العامين 2016 و2017، حكمت محكمة العدل الأوروبية في تموز (يوليو) الماضي بأن تفويض الحكومة البولندية بتوسيع أنشطة قطع الأشجار في غابة بياوفييجا يعد انتهاكا لقانون الاتحاد الأوروبي. لكن الحكومة البولندية تجاهلت الحكم، واستمر قطع الأشجار غير القانوني حتى نيسان (أبريل) 2018، عندما هددت محكمة العدل الأوروبية بتغريم بولندا مبلغ 100.000 يورو في اليوم. عند هذه النقطة، تم قطع 190.000 متر مكعب من أشجار الغابات. لكن الوضع اليوم لا يختلف: إذا كانت محكمة العدل الأوروبية ستقوم بوقف الإصلاحات القضائية لحزب القانون والعدالة، كان ينبغي فعل ذلك قبل أشهر.
لكننا نواجه مشكلة ثانية أكثر خطورة. في حين يعتقد 49 % من البولنديين أن سيادة القانون تحت الحصار في بولندا، فإن 27 % منهم لديهم وجهة نظر مختلفة، و24 % ليس لديهم رأي واضح. وعلى الرغم من تجمع الآلاف -وربما عشرات الآلاف- من المتظاهرين أمام المحكمة العليا في الأسابيع الأخيرة، صوت نحو ثمانية ملايين شخص لصالح حزب القانون والعدالة الحاكم في انتخابات العام 2015. وعلاوة على ذلك، تشير استطلاعات الرأي الحالية إلى أن شعبية حزب القانون والعدالة الحاكم ارتفعت إلى حوالي 40 % -أي أكثر من ضعف شعبية حزب المنبر المدني الحاكم السابق. وهذا يشير إلى أنه في حين قد لا يتفق البولنديون مع الإصلاحات القضائية لحزب القانون والعدالة الحاكم، فإنهم ليسوا حريصين على المخاطرة بالكثير من أجل المحاكم الحرة -أو المبادئ الديمقراطية الليبرالية بشكل عام.
وبناءً على ذلك، يمكن لرئيس حزب القانون والعدالة الحاكم ياروسلاف كاتشينسكي أن يعلن الآن أن "المفوضية الأوروبية لن تكسر إرادة بولندا فيما يتعلق بإنجاز الإصلاحات". وأضاف "إذا لم نقم بإصلاح القضاء، فإن الإصلاحات الأخرى لن يكون لها أي معنى، لأنه سيتم إلغاؤها من قبل المحاكم التي لدينا الآن عاجلاً أم آجلاً".
يعرف كاتشينسكي تماماً أن حزبه يتلقى أكبر قدر من الدعم الشعبي، وأن محكمة العدل الأوروبية لن تتمكن على الأرجح من اتخاذ الإجراءات اللازمة في الوقت المناسب. وفي غياب معارضة داخلية فعالة، لن يتمكن أحد من الوقوف في طريقه. وما يتوقعه الناس من الشعبويين هو تطرفهم واستعدادهم لتحويل أقوالهم إلى أفعال. ولذلك يجبر الناس على قبول أعمال سخيفة مثل تدمير غابة بياوفييجا، حتى لو كانوا يختلفون مع ذلك. ونتيجة لذلك، أصبحت التنبؤات المستندة إلى استطلاعات الرأي العامة بلا معنى.
ماذا عن المحاكم؟ يعتقد جميع القضاة تقريباً أن حزب القانون والعدالة الحاكم ينتهك الدستور، ولهذا السبب يقوم دودا بملء الغرف التي تم إنشاؤها حديثا بمسؤولي وزارة العدل والنواب في حزب القانون والعدالة، بدلاً من القضاة الفعليين. والخيار الوحيد هو إعلان القضاة البولنديون عن الإضراب. وإذا توقفت المحاكم البولندية، فسوف يدرك البولنديون أن القانون يشبه الهواء: تشعر به فقط عندما يتحرك.
ولكن لم يتم إجراء أي محادثات في بولندا بهذا الشأن. لن يقوم القضاة بالإعلان عن الإضراب، لأنهم ليسوا سياسيين، وهم ليسوا متحمسين لخوض أي صراعات. بل على العكس من ذلك، فإن بعض أفعالهم حتى الآن جعلت الوضع أسوأ. إنهم يرتكبون أخطاء جسيمة في الوضع الحالي، على سبيل المثال، ذهبت رئيسة المحكمة للتو في عطلة من أجل الابتعاد عن الصراعات القائمة. وقبل بضعة أشهر، ظهرت مع دودا في أداء اليمين خلال تنصيب رئيس المحكمة الدستورية الذي تم تعيينه بشكل غير دستوري.
بالإضافة إلى ذلك، يستغل حزب القانون والعدالة الحاكم حقيقة أن الإضراب القضائي لن يكون صائباً. يمكن للشعبويين أن يفلتوا من العقاب عن تقويض سلطة المؤسسات الديمقراطية، لكن السلطات لن تتمكن من القيام بذلك. لذلك يجب هزم الشعبويين سياسياً. مع الإشارة إلى انتهاكاتهم للدستور والاحتجاج الذي يجعل المعارضة أقرب إلى الفوز الانتخابي.
لقد كان القانون -مثل الاقتصاد- بمثابة بديل سياسي لفترة طويلة جداً، مجسداً فكرة أنه من دون وجود بديل للديمقراطية الليبرالية والأسواق الحرة، يمكن أن تصبح السياسة تقنوقراطية. ويقف صعود النزعة الشعبوية في بولندا وأماكن أخرى ليكون بمثابة تذكير بسخافة تلك الفكرة. ويمكن للديمقراطية البولندية فقط أن تنقذ المحكمة العليا، وليس العكس.

*مؤسس حركة "كريتيكا بوليتيتشنا"، مدير معهد الدراسات المتقدمة في وارسو وزميل في أكاديمية روبرت بوش في برلين.
*خاص بـ"الغد"، بالتعاون مع "بروجيكت سنديكيت".

التعليق