معركة (القلول)؟!

تم نشره في السبت 21 تموز / يوليو 2018. 11:04 مـساءً

قد يجلس الصياد في الغابة ثلاثة أيام حتى يستطيع أن يصيد طائرين من الحجل أو زغلول حمام، بينما إذا ما نزل أردني الى الحارة ليشتري علبة كاتش أب فقد يعود بثلاثة قتلى وستة جرحى وإصابة خط كهرباء ضغط عال!
حين يصبح استخدام الأسلحة في الأردن أكثر من استخدام المكواة، وعدد قتلى المشاجرات المسلحة أكثر من عدد قتلى المسلمين في معركة حطين، والعمل اليومي لقوات الدرك يفوق عمل قوات الدفاع المدني والبلديات والأمانة، فإن ثمة وجودا لظاهرة خطيرة في الأردن.
أذكر جيدا أن أكثر المشاجرات قديما كانت تحصل في الأعراس، وسببها أن مطرب الفرقة لم يلبّ طلب أحد السكرانين بتحيته على الميكروفون، في حينها لم تكن تستخدم إلا الكراسي والقناوي في الانتقام لكرامة السكران، لذلك كانت كمية الدماء المسالة من (الفشخات) محدودة ولا تعبئ كاسة شاي، وكانت والدة العريس هي الضحية الوحيدة دائما، فقد كانت تدخل في غيبوبة من الهلع والخوف، والأضرار محصورة فقط في تكسير الطبلة، وعدد من الكراسي، وهروب المطرب الى الحارة المجاورة!
كان لديهم مفهوم أنسنة المشاجرة، فلا يضرب ولد، ولا يتم التعدي على ختيار، والقنوة توجه لأماكن لا تسبب عاهة دائمة، وإذا قال لهم أحدهم: امسحها بهاللحية، فإنها تشبه صافرة الحكم عند الإعلان عن نهاية المباراة، فالكل ينصاع لها ويوقف القتال.
اليوم إذا تشاجر ولدان في الحارة على لعبة قلول، فإن الأسلحة المستخدمة في معركة (القلول) تفوق ما استخدم في معركة تحرير (الرقة)، وعدد الجرحى والقتلى أكثر من عدد جرحى وقتلى العدوان الثلاثي على مصر، والنازحين جراء القصف العنيف يفوق عدد نازحي زلزال في اليابان، وإذا ما تدخل احد العقلاء ليقول لهم: امسحها بهاللحية، فقد تكون جنازته بعد صلاة العصر!
حين تقترب المدارس، يشكو الأردنيون من ارتفاع أسعار القرطاسية، وبعضنا قد يحتاج الى أسبوع لشراء علبة ألوان إذا طلبتها معلمة الفن من أحد أبنائه، بينما حين يأتي جهد البلاء وتبدأ المعركة، أحدهم يرمي في دقائق معدودة ألف طلقة مما تعدون قبل حتى أن يسأل أو يتعرف على أطراف المشاجرة؟! وللعلم ثمن الطلقة الواحدة يفوق سعر كيلو التفاح في هذه الأيام؟!
كل يوم هناك مشاجرة مسلحة يذهب ضحيتها عدد من الأبرياء، الخبراء يقولون إن السبب هو الظروف الاقتصادية الصعبة التي نعيشها وما يحصل هو تنفيس عن غضبهم.
لو كان هذا الكلام صحيحا لانقرض الأردنيون منذ سنوات طويلة، فقد كان أجدادنا كل يوم غداؤهم إما عدس أو برغل، فلماذا لم يطخطخوا بعضهم بعضا مللا من البرغل؟!
قد يكون الظرف الاقتصادي أحدها، ولكن فشل المنظومة التعليمية والتربوية في تخريج جيل يدرك قيمة حياة الإنسان سبب، وبعض عاداتنا البالية في تبديل روح إنسان بفنجان قهوة سبب، والتراخي في محاربة انتشار الأسلحة لسنوات طويلة سبب، وغياب العدالة المجتمعية في الوظائف والخدمات العامة أيضا سبب في حالة الاحتقان المجتمعي التي نعيش.
الآن، إذا ما وقع حادث باص في دولة مجاورة، فإن الحكومة تتقدم فورا بأصدق مشاعر التعازي والمواساة بالضحايا، بينما الى الآن لم يتقدم إلا الدرك لوقف نزيف الدم الذي يسال من الشمال الى الجنوب بسبب معركة (القلول)!

التعليق
› ان الاّراء المذكورة هنا تعبر عن وجهة نظر أصحابها ولاتعبر بالضرورة عن اراء جريدة الغد.
  • »صدقت (انور محمد الضمور)

    الأحد 22 تموز / يوليو 2018.
    يكل سطر في موضوعك حكم من وقائع الحياة لقد كنت صادقا صادقا صادقا وشكرا استاذ صالح
  • »إعجاب بمثل هذه المقالات (" محمد مشهور" شمس الدين)

    الأحد 22 تموز / يوليو 2018.
    نعم.. جيل اباؤنا تربّى على " الاخلاق والقيم وسواليف الشهامه والفروسيه و.." اما الجيل الحالي يتربّى على: مسلسلات وأفلام وبرامج والعاب عنيفه ودراميه ودمويه و..." اضف الى ذلك الأزمه الاقتصاديه.. فما المطلوب إذن ؟؟؟؟